ريما الغضبان - خاصّ الأفضل نيوز
هو أطول أنهار البلاد العربية وأهمها استراتيجيًا، حتى اعتبرته لجنة "كلاب-clap" الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة عام 1949 "مفتاح مستقبلِ لبنان". أما في العام 2022 فتحولت الصورة إلى المُدمر الأول للبنان، بفعل إهمال الدولة وما اقترفته أيادي الشعب.
يُعاني نهرُ الليطاني، من تلوثٍ حاد أفقده دورَهُ الحيوي في البلاد، فبات أضرارهُ على الوطن والمواطن بسبب التلوث الذي يتغلغلُ فيه، إذ تحول من شريان الحياة إلى مصدرٍ للأوبئة والموت، ناهيك عن منظره ورائحته الكريهة التي يتنشقُها البقاعييون ليلًا ونهارًا.
يشقُ نهر الليطاني مُنتصف خريطة لبنان، ويمتدُ بطول 170 كلم من غرب سهل البقاع، ويصبُ في البحر المتوسط جنوب البلاد، وتُشكل مساحة حوض الليطاني نحو 20٪ من مساحة لبنان. كان السكان يستفيدون منه في مشاريع الري، أما اليوم فالحالُ تبدل بسبب التلوث الذي غطّى النهر. فما هو واقعُ نهر الليطاني اليوم؟ وهل من حلولٍ تلوح في الأُفق؟
الليطاني: حكايةُ مأساةٍ تاريخية
هو ليس حصيلة أشهرٍ من التلوث، بل سنواتٍ تزيدُ من قساوة المشهد كل يوم. نهر الليطاني الذي كان من أهمّ استثمارات لبنان الطبيعية، لكنه بات مصدرًا مهدِدا لحياة البقاعيين، فهو الذي كان مقصدًا للشعراء في خمسينيات القرن الماضي أصبح اليوم "نهرُ الموت" كما يصفهُ العديد من اللبنانيين.
يربطُ نهر الليطاني سهل البقاع الّلبنانيّ بالجنوب، فهو يبدأ من ينابيع العليق في بعلبك ويصبّ في البحر المتوسط على بُعد ثماني كيلومترات من شمال مدينة صور.
وقد كانت تُستثمَر مياه النهر في ريّ الأراضي الزراعية، وتستخدمُ مياههُ للشرب في محافظتي الجنوب والبقاع من مشاريع ري أنشأتها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني. كما أن الليطاني شريكٌ أساسٌ في مجال الطاقة، إذ أنشِئت على ضفافه 4 معامل لإنتاج الطاقة الكهرومائية وتوليدها، وهذه الطاقة توضع بتصرف مؤسسة كهرباء لبنان وتغذي العديد من البلدات.
معاناةٌ يومية: المرج البقاعية نموذجًا
يعيشُ أهالي البقاع كل يومٍ معاناةً مع نهر الليطاني، ففي الأحياء المجاورة للنهر لا يتنشّقُ سُكانها إلا الروائح الكريهة المُسرطنة. فمن موقعٍ خلابٍ ذي إطلالة مميزة انقلبت المَشاهد وباتت الناس تعيشُ على ضفافٍ من النفايات والمناظر القبيحة. مما أدى إلى رفعِ الصرخات مرارًا وتكرارًا دون جدوى، وكأن الدولة صماءٌ بكماء.
وفي هذا الإطار قالت السيدة نضال الحمدانية للأفضل نيوز: موقع: "ناشدنا الدولة مراتٍ عدة لإيجاد حلٍ المناسب، ولكن حدث ولا حرج". وتضيف: "لقد تحملنا المناظر بما فيه الكفاية، كل يوم ننام ونستيقظ على الروائح الكريهة التي من الممكن أن تتسبّب بالأمراض لأفراد عائلتي أو حتى للمقيمن في الجوار".
وعن وضع نهر الليطاني في فصل الشتاء، تؤكد السيدة نضال: "أن الوضع أكثر خطورة في الشتاء، فعندما يمتلئُ النهر تدخلُ المياه إلى بيوتنا في بعض الأحيان، والأمرُ الأكثر صعوبة هو أن هذه المياه ملوثة ومحمّلة بالنفايات".
بات السكن في جوار نهر الليطاني اليوم أشبه بالموت في الحياة. تستقبلُك بلدة المرج بمجرىً ذي رائحة كريهةٍ، ومناظر مقززة فندخلُ عند بوابة البقاع الغربي وأنت مكتوم النفس خوفًا من تنشق الروائح السامة. وفي الصدد نفسه تقول السيدة سحر (من سُكان بلدة برالياس) للأفضل نيوز: "لا يكفينا الموت كل يوم في هذا البلد، لتكتمل معاناتنا مع هذا النهر، فهو مليءٌ بالأوساخ، فالكثير من الناس ترمي الأبقار الميتة، النفايات الصّلبة، النفايات السائلة دون محاسبة وغالبًا ما تُرمى في الليل عندما ينام الأهالي". وتؤكد: "الحياة بجانب النهر أشبه بالسجن، فنحن لا نستطيع حتى الجلوس في الحديقة أو على الشرفة بسبب إنتشار الحشرات".
حوضُ الليطاني: الأعلى بإصابات السرطان مقارنةً بعدد السكان
يسجّل البقاع النسبة الأكبر من الإِصابات بمرض السرطان في لبنان، بما يتعدّى بأضعاف المعدلات العالمية مقارنةً بعدد السكان. وفي دراسة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، حصلت عليها "موقع الأخبار"، واستندت إلى عدد حالات الاستشفاء على نفقة وزارة الصّحّة، تبيّنّ أن العدد الأكبر من الإصابات يتركّز في القرى والبلدات المجاورة لنهر الليطاني وروافده، حيثُ يحتل لبنانُ المرتبة ال 48 عالميًا بمعدل 242.8 إصابةً لكل 100 ألف نسمة.
لبنان دائمًا الأول بكل ما هو ضار وخطير، فمعدلات التّلوثّ العالية في نهر الليطاني نتجَ عنها معدلاتٌ عاليةٌ من أمراض السرطان وأمراض التنفس والرئة التي تتسبب بها الروائح الكريهة الصادرة عن النهر.
ملوّثات الليطاني... قاتلة!
وكأنها سنة الحياة أن يهدم الإنسان كل ما هو جميل، إذ أبى بعضُ اللبنانيين ترك هذه النعمة الطبيعية بسلام ليحولوها إلى نقمةٍ تجلدُ أهالي البقاع كل يوم. لنبدأ من المزارعين الذين حوّلوا مشروع الري إلى مياهٍ ملوثةٍ بسبب الاستعمال المتمادي للمبيدات والمخصّبات والأدوية الزراعية التي تساهم مباشرةً في رفع معدل الآزوت والمعادن الثقيلة في مياه الخزان الجوفي. أما أصحاب المصانع فلهم الدّور الأكبر في هذا التلوث، من خلال المياه والفضلات التي تطلقها المصانع العائدة لتصنيع المنتجات الزراعية والحيوانية (معامل أجبان/ كونسروة / محارم صحية / معامل السكر / مزارع الدواجن / مسالخ...). وأخيرًا البلديات التي تُطلق مياه الصّرف الصّحّيّ والنفايات في مجاري الأنهار.
حلولٌ لتدارك التلوث فهل تنجح؟
على الرغم من خطورة الموقف وصعوبته، إلا أن الحلول موجودةٌ بحسب الخبراء. ولكن هذا يحتاج إلى جهود الدولة للحد من المخالفات التي يرتكبها اللبنانيون المستفيدون من رمي نفاياتهم في النهر وعلى ضفافه، ومن أبرز هذه الحلول نذكرُ:
• معالجة مياه الصّرف الصّحّيّ بإقامة محطات تكريرٍ جماعية لمعالجة المياه المبتذلة عند مخارج المدن والتّجمّعات السكانية.
• إنشاء محطاتٍ لمعالجة النُّفايات الصّلبة.
• إلزام مصانع تحويل الإنتاج الزراعي ومعامل إنتاج الألبان والأجبان والمسالخ بتجهيز منشآتهم بمحطات تكريرٍ للسّوائل والفضلات الناتجة عن عمليّة التصنيّع.
• التّرخيص بحفر الآبار في المناطق المجهّزة بشبكات ريّ جماعية وإلزام المشتركين بالانخراط بالمشروع العام.
وهنا لا يمكننا إلقاء اللوم على الدولة وحدها، فكما تكونوا يّوُلى عليكم. هي مسؤوليّةُ كل إنسان فينا أن يُحافظ على الثروات الطبيعية، والأملاك العامّة ولكن الشعب إلا ما ندر "أذن من طين وأذن من عجين"، لا مسؤولية ولا ضمير أمام كل هذه الكوارث الطبيعية، مُشتركًا مع سُلطةٍ لا تكترث لأيّ مصيبةٍ سوى اللهث خلف المناصب، فإلى متى هذا الاستهتار بأرواح الناس والطبيعة؟ وهل تنتظرُ الدولة أن نصل إلى أرقامٍ خياليةٍ من مرضى السرطان حتى تحرك ساكنًا؟ أم أن الأرواح باتت بخسة الثمن؟

