رمال جوني- نداء الوطن
لم يتابع الجنوبيون مراسم انتخاب الورقة البيضاء اليوم، وربما لم يتذكروا أنّ هناك جلسة لانتخاب رئيس للبلاد، فانشغالاتهم اليومية بكيفية حلحلة عقدهم المالية كانت الطاغية. لا يهتم المواطن اليوم للصراعات السياسية الدائرة بين أقطاب البلد، فصراعات القرى على المياه تبدو أخطر، وتجلى الامر في ما حصل عند نبع الطاسة، الذي دار جدل كبير حوله، هل يُجَفِّف المشروع نبع الطاسة الذي يغذي أكثر من 200 بلدة وقرية، أم يكون الحل؟ في المواجهة، بدا النزاع الدائر بين الجمعيات البيئية في عربصاليم وجرجوع وبين مصلحة مياه لبنان الجنوبي، صراعاً على نبع الطاسة، الواجهة السياحية لقرى اقليم التفاح، والذي يخترق الجبال ضمن الوادي الاخضر ليصل إلى الزهراني، غير أن الحقيقة تبدو مغايرة نوعاً ما، فهي على ما تشير المصادر سياسية بحتة أنّ صراع الاحزاب «حزب - حركة» انتقل من صراع الكهرباء إلى صراع المياه، هذا الامر ترفضه الجمعيات البيئية، التي شنت حرباً ضروساً ضد مصلحة مياه لبنان الجنوبي، واستطاعت انتزاع قرار قضائي صادر عن قاضي الامور المستعجلة في النبطية أحمد مزهر، قضى بوقف أعمال مشروع فائض مياه الشتاء الذي، بحسب مؤسسة المياه، «سيحل الازمة، ويخفف من وتيرة استخدام الآبار الارتوازية التي ستكون عاجزة عن تأمين المازوت لها».
ترتكز المؤسسة في مشروعها على دراسة الاثر البيئي والمائي، وحاولت مراراً وتكراراً خلال لقاءات جمعت مدير مؤسسة مياه لبنان الجنوبي وسيم ضاهر مع الاندية والجمعيات البيئية، عرض المشروع الذي يهدف للاستفادة من فائض الشتاء، لا أكثر، وإن المشروع لن يطال النهر، بل يهدف إلى تجميع المياه في خزانات وضخها عن طريق الجاذبية للقرى.
هذا الامر لم يرق للجمعيات البيئية، التي رأت بالمشروع جريمة بحق نبع الطاسة، وأنه يجب الحفاظ عليه.
بالامس حصل تصادم بين عدد من الاهالي وعمال الورشة القائمة عند نبع الطاسة في جرجوع، في محاولة لايقاف العمل، غير أن الاعمال استمرت إلى أن جرى إيقافها بعيد منتصف الليل، للبحث في القرار القضائي. المحامي حسن بزي عن جمعية «الشعب يريد اصلاح النظام» أكد أن الاعمال توقفت وأن قاضي الأمور المستعجلة في النبطية طلب من فصيلة درك جباع مؤازرة كاتب محكمته، لتنفيذ قرار وقف الأعمال في نبع الطاسة.
صحيح أن الاعمال توقفت غير أن هناك فريقاً يدافع عن المشروع، ومنها قرى النبطية التي ترى فيه خلاصاً من أزمة شح المياه، واعتبرته نموذجياً، وإن كل الحملات التي تشن ضده تثير علامات استفهام، خاصة وأنها تقف في وجه مشروع للافادة من فائض الشتاء الذي يذهب هدراً إلى البحر. ويتساءل الناشط وسيم عن أسباب الوقوف بوجه هذا المشروع الذي سيغذي 201 بلدة تعاني شحّاً كبيراً في المياه، لافتاً إلى أن هناك أصواتاً عديدة لطالما طالبت ببناء السدود للافادة من مياه الشتاء، وهذا المشروع لا يختلف كثيراً عن المشروع الذي نفذه الفرنسيون في عشرينات القرن الماضي عند نهر الزرارية، وهو اليوم يشكل مصدراً لري المزروعات في المنطقة.
على ما يبدو أن صراع المياه بدأ، وما وقف مشروع نبع الطاسة إلا أولى شراراته، فالبلدات العطشى في قرى إقليم التفاح حكماً ستعترض، وبحسب المعلومات فإنها كانت تضع آمالاً كبيرة على هذا المشروع، حتى البلديات نفسها كانت تجد فيه خلاصها، تحديداً في الشتاء وسط عجزهم عن شراء المازوت.
إلا أن المشروع الممول من اليونيسف حالياً جُمّد، إلى حين البت بالمراجعات التي ستقدمها مصلحة المياه، في حين يؤكد بزي أن القضية مفتوحة إلى حين ايقاف المشروع نهائياً وإنهاء مزاريب الفساد.
ويحتدم السجال حول الاثر البيئي للمشروع وقضائه على الحياة الايكولوجية للنهر، وهو أمر تؤكده الجمعيات البيئية وترفضه مؤسسة المياه التي تجزم أن المشروع لن يطال النهر ولا مجراه لا من قريب أو بعيد، هو فقط مد أنابيب لسحب فائض الشتاء إلى خزانات حومين.
وبين الردّ والردّ المضاد، معركة نبع الطاسة مستمرة، فلمن الغلبة ستكون للمؤسسة ام للجمعيات البيئية؟

