إسلام جِحا _ خاصّ الأفضل نيوز
ليسَ مستغربًا أن تنطلقَ قواربُ الموتِ من شواطئ طرابلسَ اللُّبنانيَّة، أشدِّ المُدن فقرًا على حوض المتوسّط، والتي دفعت ثمنَ خيارات أهلها ومواقفهم. هذه المدينةُ الَّتي زخرت يومًا بمكتبة دار العلم، التي تعدُّ أكبرَ مكتبةٍ في التَّاريخ احتوت أكثرَ من 3 ملايين كتابٍ مخطوطٍ، ووجد فيها الرَّحَّالةُ عبدالقادر النَّابلسي نهاية القرن الـ17ما يزيد عن 360 دارًا علميًّا؛ فسُمّيَت "مدينةَ العلم والعلماء"، قد تحوَّلت اليوم إلى كابوسٍ يضيق بأحلام أهلها؛ ما دفعهم لامتطاء البحر والسّفر نحو المجهول!.
تقولُ مفوضيّةُ الأمم المتَّحدة السَّامية لشؤون اللَّاجئين: إنَّ أكثر من 3460 شخصًا غادروا لبنان، أو حاولوا مغادرته عن طريق البحر منذ بداية العام 2022، أي ما يعادل أكثر من ثُلثي العدد لعام 2021 كاملًا. وغالبًا، تتوجّه قوارب المهاجرين باتجاه قبرص، لتبلغَ حدودَ الاتّحاد الأوروبيِّ؛ الأمر الذي دفع سُلطاتِ الجزيرة والجمهوريَّةَ اللُّبنانيَّة لعقد اتّفاقٍ يقضي بإعادة المهاجرين إلى بلدهم، فيما عُمل على إعادة نحو 75% من المهاجرين الذين غادروا الشَّواطئ اللُّبنانيَّة بطرقٍ غير شرعيَّةٍ في العامين الماضيَين.
لا يقف الفقر الذي طالَ 80% من سكان لبنان البالغ عددُهم زهاء 6.5 مليون وحده خلف الهجرة غير الشَّرعيَّة، بل أزمةٌ اقتصاديّةٌ صنّفها البنك الدَّوليُّ على أنّها الأسوأ عالميًا منذ أواسط القرن التّاسع عشر، أدّت إلى انهيار سعر صرف العملة المحليَّة وتدهور قيمتها الشِّرائيَّة. هذا إلى جانب التَّقصير الحكوميِّ الواضح، وانعدامِ العمل بالسّياساتِ التي من شأنها الخروج من هذه الأزمة التي وصفها البنك عينُه بأنها "ركودٌ متعمَّدٌ" تُحكِم النُّخبةُ الحاكمةُ سياسيًا واقتصاديًا القبضَ عليه، لتضعَ السَّوادَ الأعظمَ من الشَّعبِ اللُّبنانيّ أمام خيارين أحلاهما مرٌّ، فإمَّا البقاء في لبنان بكلِّ أمراضه السِّياسيَّة والطّائفيَّة، وإمّا الإبحار أملًا بالنَّجاة عند شاطئِ دولةٍ أوروبيَّةٍ.
المخيفُ في الهجرة غير الشّرعيَّة هو انعدامُ الأمان، فالقواربُ المستخدَمةُ في عمليَّة الهروب ليست مؤهّلةً للإبحار، بما تحتوي من حُمُلاتٍ زائدةٍ، وعددٍ يفوق قدرتها الاستعابيّة، وخصوصًا عند خروج القوارب إلى المياه الدُّوليَّة؛ فهناك لا يمكن التَّنبُّؤ بحالة البحر، إذ يمكن للأمواج في أيِّ لحظةٍ أن تثورَ وتضعَ المهاجرين في مواجهةٍ حقيقيَّةٍ مع الموت إذا ما اصطدمت بعوائقَ صخريَّةٍ طبيعيّةٍ، مع جهل طاقمها بالسِّباحة، خصوصًا أنّ عددًا لا يُستهان به هم من الأطفال والنِّساء.
شعبةُ المعلوماتِ تقوم باستقصاءاتٍ يوميّةٍ لملاحقة المتورّطين في تهريب الأشخاص من شواطئ الشَّمال اللُّبنانيِّ إلى إيطاليا، وكان آخرها في الآخر من أيلول 2022. .وتشير إحصاءاتٌ أمنيةٌ إلى أنَّ عدد مراكب الهجرة غير الشَّرعيَّة ارتفعت من 12 مركبًا عام 2019 إلى 37 عام 2021، فيما سجّل العام 2020 إبحار 21 مركبًا، ومنذ مطلع العام الحالي أبحر نحو 990 مهاجرًا بعد أن سجّل العام 2021 مغادرة 1422شخصًا مقارنة ب575 عام 2020، و128 عام 2019، ليصل إجماليُّ المهاجرين غير الشّرعيِّين منذ العام 2019 إلى 3115 مهاجرًا. واللّافت أنّ الأعداد بلغت أوجها هذا العام، فوصل العددُ إلى 999 مهاجرًا، لاسيّما منذ شهر نيسان/ آبريل، فيما كانت مخابراتُ الجيشِ قد ضبطت 99 مركبًا منذ 2019 حتّى الآن غالبيَّتهم انطلقوا من الشّمال اللُّبنانيِّ، حسب ما أوردت صحيفةُ النَّهار.
هذا الواقعُ المتأزّمُ الّذي يعلق اللُّبنانيّون في أتونه يتطلَّب حلًا سريعًا للأزمة الاقتصاديَّة، وقضيَّة الاستحصالِ على جوازات سفرٍ وتأشيراتِ مغادرة البلاد؛ لأنّ المواطنَ اللُّبنانيَّ الفقيرَ وحدَه يدفع حياته فاتورةَ الأمل بحياةٍ أفضل، تحديدًا في طرابلس الّتي ينتمي إليها سياسيُّون ورؤساء حكوماتٍ حاليّون وسابقون، كالصّفدي والرّئيس كرامي وميقاتي الّذي صنّفته مجلةُ فوربس رابعَ أغنى رجل في العالم العربي في عام 2022، ممّا يدفع إلى خطّةٍ جدِّيَّة لإعادة الثّقة بين المواطنِ والوطن من جديدٍ...!.

