غازي برّو - اللواء
سيرة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر تختصر سيرة أمّة بكاملها أرادت وهمّت للنهوض من كبوة طويلة تحت هيمنة السلطنة العثمانية ومن أسر استعماري كان أمده أقصر.
لكن الأهم أيضاً من هذين المسعيين للانعتاق اللذين قادهما أبا خالد كان تجديد المسعى الذي قاده سلفه محمد علي باشا من أجل النهوض من ثبات التخلف الثقافي والاجتماعي الذي أجهضته الهجمة الإستعمارية على المشرق وشمالي أفريقيا وبالخصوص البريطانية على مصر. وكان عبد الناصر في تلك المرحلة قد شق الطريق أمام الأمة العربية والإسلامية لاحتلال مكانتها البارزة في مجمع أمم آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية إلى جانب عمالقة تلك المرحلة مثل نهرو وماو تسي تونغ وشو آن لاي وغاندي وسوكارنو ونكروما وكاسترو وسيكوتوري وجيفارا، هذه الكوكبة من القادة الذي أسسوا لولوج عصر جديد، عصر التحرر بامتياز هزّ أركان النظام العالمي السائد آنذاك وأرسى نظاماً عالمياً جديداً على أنقاض الحرب العالمية الثانية حكم العلاقات بين الشرق والغرب وفق توازن حرب باردة بين النظام الرأسمالي والنظام الإشتراكي.
غير أن عبد الناصر ونظراءه من قادة الدول المنعتقة حديثاً من النظام الاستعماري سعوا لرسم خط تطور ثالث، سُمّي خط تطور لارأسمالي في بعض الأدبيات. كما يجدر بنا أن نستذكر أنه كان في طليعة من حمل لواء استعادة فلسطين من المغتصبين الصهاينة. وقد دفع عبر عدة جولات صدام مع التحالف الغربي-الإسرائيلي وصولاً إلى آخر جولة ساخنة مع العدو القومي، عدوان 1967. لكنه لم يساوم أبدا معتمداً على تأييد جماهيري عربي يندر مثيله. وبلور على نحو عملي هدف تاريخي للأمة وهو الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج وكان من نتائجها الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا ثم تمت محاولات توسيعها إلى أطر أخرى لم يكتب لها النجاح إلّا أن هذا الهدف لم يمحَ أثره من المخيال السياسي القومي للجماهير وبقي البوصلة ومن ضمن بوصلة فلسطين لكل نضال إستراتيجي تحرري نهضوي حقيقي لا محيد عنه.
ولا ننسى سد أسوان، وتأميم قناة السويس والإصلاح الزراعي وتطوير الجامعات والبحث العلمي وخطة التصنيع الثقيل إلخ.. ولكن أيضاً وأيضاً وضع ثقل مصر الأخوي إلى جانب ثورة الشعب الجزائري والشعب اليمني والشعب العربي في الخليج وعمان بعناد ابن الصعيد المصري. كلها إنجازات تبقي ذكراه حيّة في وعي أبناء الأمة.
وفي ختام مسيرته المظفرة هذه فارقنا جمال حبيب الجماهير ولم نعثر في حسابه في أي مصرف على ما يلوث سمعته بفساد ولا في سيرته الشخصية ما يندّى له جبين أي إنسان شريف في هذه الأمة علاوة على أنه لم يوصِ بأي وريث يرث هذه المنجزات الجسام ليدعم بها سلطته.
هي ذي الصورة التي نستذكره فيها على الدوام.
والمحزن أننا اليوم، عندما نستذكر سيرة بطلنا ناصر قاهر المستعمرين الذي عصي على المساومة على الحقوق القومية، نجد قبالة ذلك صورة نقيضة تتلخص بالتالي:
- أمة عربية متشظية أكثر ومتناحرة فيما بين أنظمتها يستقوي بعضها على بعض؛
- ثروات طبيعية ونفطية وغازية تحتاج الى مشروع عربي نهضوي حقيقي يقوّي الدول العربية ويبني مداميك وحدتها الاقتصادية والثقافية قبل السياسية.
- اختلاق خلافات وعداوات مع بلدان وأمم شقيقة في المصير والإيمان ما يتيح للغرب الاستقواء واستفراد أقطار الأمة فرداً فرداً.
- قوارب الموت التي لا تتوقف ناقلة الهاربين من حالات اليأس لا بل تشبه حالة الانتحار الجماعي، التي ما كنا نتخيّل حدوثها يوماً في بلادنا.
- تنصيب العدو الخارجي حَكَماً على ما يسعى إليه قادة بلدان الأمة من خطط وتعبئة في سبيل النهوض واستكمال مسيرة التحرر والتقدم التي تخلفنا عن ركبها في طوال السنوات التي تفصلنا عن تاريخ رحيل القائد البطل جمال.
- التصالح أخيراً مع العدو الأول الذي زرع قسراً في أرض فلسطين على حساب حقوق شعب فلسطين.
صورتان جدير بنا اليوم أن ننظر إليهما بعينين صافيتين لالتقاط درجة ما وصلنا إليه من انحطاط على كل المستويات.
هل تعود روح جمال لتتقمص في جسد مارد من أمثاله يوماً؟

