طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
يمرّ لبنان اليوم في مرحلة حسّاسة وفارقة في تاريخه المعاصر، إذ يتقاطع فيها واقع ميداني يزداد تعقيداً مع مسار سياسي غير مسبوق. فبينما تنطلق في واشنطن مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل للمرة الأولى منذ عقود، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي عملياتها العسكرية وتوسيع سيطرتها في جنوب لبنان، في مشهد يعيد إلى الأذهان أجواء الحروب التي عاشتها البلاد بين عامي 1975 و1990.
فبعد اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله في الثاني من آذار الفائت، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان لمدة عشرة أيام، مُسَبِّقاً في الفضل فيه الجانب الإيراني الذي قال إن هذا الأمر تمّ بنتيجة ضغوطه على الجانب الأميركي عندما وضعه شرطاً لفتح مضيق هرمز. وقد حظي وقف النار هذا بترحيب دولي واسع. لكن سرعان ما تحوّلت هذه الهدنة إلى مجرّد إطار شكلي، مع استمرار الخروقات الإسرائيلية على الأرض. فقد أعلنت إسرائيل أنها ستحافظ على "منطقة أمنية" بعمق عشرة كيلومترات على طول الحدود، وأقامت ما عُرف بـ"الخط الأصفر" الذي يهدف إلى عزل نحو 55 قرية لبنانية. وفي تطوّر أكثر خطورة، حذّر الجيش الإسرائيلي سكان جنوب لبنان من الاقتراب من نهر الليطاني، فيما تواصل قواته تنفيذ عمليات هدم ونسف ممنهجة طاولت عشرات البلدات والقرى. وقد وصل التدمير الإسرائيلي إلى مستوى متقدّم، إذ تمّ تدمير 10 جسور حيوية لعزل مناطق الجنوب عن بقية الأراضي اللبنانية، في سياسة وصفها مراقبون بأنها "الأرض المحروقة"، الهادفة إلى إنشاء منطقة عازلة تمنع عودة أكثر من مليون نازح لبناني إلى ديارهم. ومن اللافت أن إسرائيل تستعين بمقاولي هدم شاركوا سابقاً في عمليات مماثلة في قطاع غزة.
وفي مقابل هذا الواقع الميداني، يتصدّع المشهد السياسي اللبناني بين مؤيّد ومعارض للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل. فبينما يصف فريق هذه الخطوة بالبراغماتية لتجنيب لبنان مزيداً من التصعيد العسكري، يرى الفريق الآخر فيها "إذعاناً واستسلاماً" لإسرائيل.
ويقود حزب الله جبهة المعارضة للمفاوضات، حيث يصرّ على وجوب تراجع الحكومة عن هذا المسار، مهدّداً بإسقاط المفاوضات بالقوة، ومعتبراً أن مصيرها قد يكون مشابهاً لاتفاق 17 أيار 1983 الذي تمّ التراجع عنه لاحقاً. ويشترط الحزب انسحاباً إسرائيلياً فورياً وكاملاً، مؤكداً أن مرحلة "الصبر الاستراتيجي" انتهت.
وفي المقابل، يقف رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في طليعة المؤيّدين للمفاوضات، وهو من بادر إلى الدعوة إليها قبل أسابيع، مؤكداً أنها "لا تعني التنازل ولا الاستسلام، بل هي لحلّ المشكلات". ويسعى لبنان في المفاوضات المرتقبة إلى تمديد الهدنة القائمة لمدة شهر، مع اشتراط أن توقف إسرائيل النار وعمليات التفجير والتدمير.
وبين المعارضين والمؤيّدين للمفاوضات، يتّخذ "التيار الوطني الحر" برئاسة النائب جبران باسيل موقعاً وسطياً، حيث يؤيّد مبدأ التفاوض لكنه يضعه ضمن شروط محدّدة: الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة النازحين، ونشر الجيش اللبناني على الحدود، وحصر السلاح بيد الدولة.
على أنه لا يمكن فهم هذا الانقسام الداخلي من دون العودة إلى السياق الأوسع. فالحرب الأخيرة عمّقت الخصومة بين حزب الله ومعارضيه في الداخل، ما يضع الدولة والمجتمع اللبناني الهشّ على حافة الانهيار. ومع نزوح أكثر من مليون شخص من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، وتحول العاصمة ساحة خلافات، فإن الانقسام السياسي يعكس انقساماً مجتمعياً أعمق. كما أن إصرار إسرائيل على اعتبار حزب الله "عدواً مشتركاً"، يضع السلطة اللبنانية في موقف صعب، حيث يتهمها البعض بالتفاوض تحت الضغط وفي غياب أي ورقة تفاوضية حقيقية.
وفي ضوء هذا المشهد، يقف لبنان حالياً عند مفترق طرق خطير. فالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مهما كانت نياتها، تجري في ظل استمرار الاحتلال والتدمير، ما يجعل السلطة اللبنانية تبدو وكأنها تفاوض من موقع ضعف. وفي الوقت نفسه، فإن رفض أي تفاوض قد يعني استمرار الحرب والدمار. ولكن الحل، كما يبدو، يحتاج إلى موقف وطني موحّد يضع مصلحة لبنان وسيادته فوق كل اعتبار، وإلى ضمانات دولية حقيقية تمنع إسرائيل من الاستمرار في سياسة الأمر الواقع العسكري. لكن في ظل الانقسام الحاد والتوترات الطائفية المتصاعدة، يبقى السؤال: هل يستطيع لبنان تجاوز أزمته قبل فوات الأوان؟

