نبيه البرجي - خاص الأفضل نيوز
إلى أين يمكن أن تصل اللغة التوراتية بهذا النوع من البرابرة؟ باحث فلسطيني في معهد للدراسات الاستراتيجية تابع لإحدى جامعات ميتشيغن (ولا مجال لذكر اسمه) اتصل بي قائلاً: "تصور أن اللوبي اليهودي يحاول الآن شق الطريق أمام السناتور لندسي غراهام، والذي تصفه بـ"الحاخام الأكبر"، للانتقال من الكونغرس إلى البيت الأبيض لدى انتهاء ولاية دونالد ترامب"!
سناتور كارولينا الجنوبية، الأكثر عتوّاً في تبني السياسات الهيستيرية لحكومة بنيامين نتنياهو، هو الوحيد داخل المؤسسة السياسية الأميركية الذي ساند دعوة وزير التراث الإسرائيلي عميحاي بن الياهو لإلقاء القنبلة النووية على غزة.
لا يكفي تحويلها إلى مقبرة ليجعل منها الرئيس الأميركي "ريفييرا الشرق الأوسط"، لا بد أن تغدو نسخة عن جهنم "للحيلولة دون قبائل ياجوج وماجوج وتسلق حجارة الهيكل".
المؤرخ الفلسطيني رشيد الخالدي لاحظ أن الخط الايديولوجي للدولة العبرية لا يمكن إلا أن يصل بها إلى "اللحظة النووية"، كون الدول العربية لا يمكن أن تبقى على تبعثرها، وتعثرها الراهن، وهي تمتلك كل الإمكانات لكي تتحول إلى قوى مؤثرة في المسار السياسي أو المسار الاستراتيجي للقرن.
نشير هنا إلى أن دين أتشيسون، وزير الخارجية الأميركية إبان ولاية هاري ترومان، قال غداة إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما: "الآن بدأ التاريخ الآخر للعالم". هذا ما أوحى لمنظّري اليمين في إسرائيل بأن تغيير الشرق الأوسط، وهو الشعار الذي أطلقه نتنياهو، لا يمكن أن يتحقق إلا بالضربة (أو الضربات) النووية. في هذه الحال، لا يشقون الطريق إلى إقامة "إسرائيل الكبرى"، ومن النيل إلى الفرات، وإنما كما قال بسلئيل سموتريتش، إلى "إسرائيل العظمى"، كرديف إقليمي لـ"أميركا العظمى"، وكـ"ضرورة للبقاء"، من ضفاف البحر الأحمر إلى ضفاف قزوين، ومن قناة السويس إلى مضيق الدردنيل...
من هنا التعليق الساخر للجنرال الأميركي المتقاعد دوغلاس ماكريفور: "لعل سموتريتش يفكر أيضاً بأن "ضرورة البقاء" تقتضي طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط"، بعدما كان زعيم الليكود قد قال، في كلمته الشهيرة في الكونغرس: "لولا إسرائيل لما بقيت أميركا في المنطقة"، متناسياً ما ورد في أوراق ناحوم غولدمان، وهو أحد كبار آباء الدولة: "لولا الرئيس وودرو ويلسون لما كان وعد بلفور".
جدعون ليفي قال إبان حرب الإبادة في غزة: "لولا الإمدادات العسكرية الأميركية اليومية لكان علينا أن نقاتل الفلسطينيين بالعصي والحجارة". توماس فريدمان حذّر من أن نتنياهو "يقود إسرائيل إلى الانتحار"، بعدما قال جو بايدن: "إنه يضع مصير يهود العالم على حد السكين"!
لا شك أن المنطقة تقف الآن على مفترق وجودي.
الإسرائيليون الذين كتبوا عن آليات التغيير وأهدافه رأوا أن المسألة لا تنحصر في تغيير البنية الجغرافية، وإنما في تغيير المسار التاريخي (والايديولوجي؟) للمنطقة. هذا ما يثير سخرية المؤرخ شلومو ساند، صاحب "اختراع الشعب اليهودي"، الذي رأى كيف حوّل نجوم اليمين الدولة إلى "سيرك للمجانين".
في نظره أن هذه لعبة الآلهة، أو لعبة الأباطرة، لا لعبة أنصاف الآلهة، ولا لعبة أنصاف الأباطرة.
ولكن ألم يقل زعيم الليكود إنه على خطى التوراة، وحيث يهوه هو "رب الجنود"، الذي لا يترك أثراً للآخرين (الغواييم)، وهو يرسم حدود أرض الميعاد، ومن يفترض أن يستأثر بها؟ لنشير إلى أن الميثولوجيا العبرية تحدثت عن إله القبيلة، وهو يرشق من كهفه السابلة بالحجارة، التي ظلت تتطور عبر الأزمنة إلى أن أصبحت الحجارة النووية.
سواء أمر دونالد ترامب بالحرب، أم انتهت الوساطات المضنية إلى الاختراق الدبلوماسي بتوقيع واشنطن وطهران على اتفاق لا بد أن يكون متعدد الأبعاد، ومتعدد المصالح، لا إمكانية لأي كان التكهن بالمنحى الجيوسياسي أو الجيوستراتيجي الذي تأخذه المنطقة، وإن كان واضحاً أن الانفجار العسكري، في ظل التشابك الحالي، قد يأتي بنتائج كارثية على الجميع.
من هنا قول دونالد ترامب: "لقد أرجأت (؟؟) مهاجمة إيران بطلب من السعودية وقطر والإمارات".
نعود ونذكر بوصف كاثلين باركر للحرب بأنها "حرب غراهام"، كونه تولى تعبئة رأس صديقه دونالد ترامب بالأوهام حول الأخطار التي تهدد أميركا وإسرائيل في الشرق الأوسط (حتى لا تصبح القنبلة تحت عمامة خامنئي).
رهاننا الآن، بعد تلك التطورات الدراماتيكية، أن يكون للعرب اليد الطولى في صياغة النظام الجديد في الشرق الأوسط، مع التذكير بالمقال الشهير لصحيفة "عكاظ" السعودية: "إن الضمانة الوحيدة اليوم لأمن ووجود الدولة، أي دولة، للأسف، هو السلاح النووي، الذي من دونه لا يمكن التعايش مع كائنات نازية مثل الكيان النازي المحتل لفلسطين". من هنا يبدأ التاريخ الآخر للشرق الأوسط.

