ممتاز سليمان-خاص الأفضل نيوز
تتَّفقُ جميعُ الأديانِ قاطبة ، السماويةُ منها وغيرُ السماويةِ في تعاليمها على فكرةِ الثواب والعقاب ، لتنظيم حياة الناس للوصولِ إلى مجتمعاتٍ فاضلة راقية ،كذلك القوانين الوضعيةُ المستقاةُ بغالبيتها من الأديان والشرائع السماوية سارت على تأكيدِ فكرة العقابِ وتفصيلها وسنِّ قوانين خاصة بها وإنشاءِ مؤسسات عقابية هدفها وغايتها رَدعُ المرتكبين والمجرمين وإصلاحهم، بعد نيلِ عقابهم.
من هنا ولدَ مبدأٌ عامٌّ وهامٌّ يتمثلُ في عدمِ الإفلاتِ من العقابِ حتى أصبحَ مدى تطبيقه بصرامةٍ وعموميةٍ يُعتبرُ مؤشرًا على مدى احترامِ الدول لذاتها ولشعوبها أولا ، ومدى احترام أقرانها لها في المجتمع الدولي.
في هذا الشرق الحزين قلَّما شهدت شعوبُه المتعبةُ دولاً ديمقراطيةً تقومُ على احترام المؤسساتِ والقوانين ، فبالرُّغمِ من الحروب والمآسي الكثيرة من حروب أهلية وإنقلابات وقلاقل وعدم إستقرار ، ما زالت الأنظمةُ في تلك الدول تقوم على مفاهيم بائدة كالثيوقراطية والأوليغارشية والديكتاتورية وغيرها من الأنظمة التي لا تقيم وزنًا للنُّصوصِ والقوانين.
فالحاكمُ أو الطبقةُ السياسية في دول كتلك هم أشبهُ بأنصافِ آلهةٍ غير قابلين للمسِّ ، وهذا ينسحبُ على معاونيهم وأزلامهم وبطانتهم حتى الدرجةِ العاشرة ، ففي تلك الدول لا مكانَ للقول بأنَّ فلانًا المسؤول أخطأ أو ارتكبَ جرمًا أو فسادًا ،فهذا من المحرمات التي لا يمكن الحديث عنها.
في لبنان ،الدولة التي نتغنى بديمقراطيتها النسبية حيث الكثير من الحرية المتفلتة من عقالها ، لا يختلف الأمر كثيرا عن باقي دولِ العالم الثالث ، وإن تَغلَّفَ نظامها السياسيُّ بمؤسساتٍ دستورية شكلية ، تنظمُ إستحقاقات نظرية كانتخاب مجلس نيابيٍّ أو رئيس جمهورية أو غير ذلك ، ولكنَّ الحقيقةَ أنَّ البلدَ ومنذ نشأته الرسمية وما قبل، تحكمه جماعاتٌ طائفيةٌ مذهبية على قاعدة اللويا جيرغا ، بحيث تتنافسُ كلُّ طائفةٍ للحصول على مكتسباتها من خلال استنزاف الدولة الأم ،
فعليًّا كان مجلسُ اللويا جيرغا الذي يديرُ البلدَ ويمعنُ في بلعِ خيراتها منذ البداية، بمنأى عن أيِّ محاسبةٍ أو عقاب، وحتى بعد أن وضعتِ الحربُ أوزارها ، كانت المفاجأةُ بأنَّ المتقاتلين على الجبهات من أمراء حرب وميليشات ، ارتدوا ربطاتِ العنق بعد ترداد عبارة "عفا الله عن ما مضى" ودشنوا عهدًا جديدًا من استغلال الدولة والسطو على مقدراتها ، فانتشرت المحسوبيات والفسادُ على رؤوس الأشهاد ، حتى صار يتمُّ تعطيلُ حكوماتٍ وانتخاباتٍ من أجل الحصول على مكاسبَ ومواقع من هنا وهنالك ، كلُّ هذا دون حسيب أو رقيب ، وكان جليا منذ البداية من خلال بعض الأصوات المعارضة التي كانت تحذرُ من مغبة هذا الفساد الذي أخذ يتغول وينتشر ولم يجد سبيلا للمعالجة ،سيتحول سرطانا يلتهم جسد الوطن بأكمله ، ولكنَّ مجلس اللوياجيرغا كان كفيلا بإسكات وإسقاطِ كل صوت معارض وبالطرق الديمقراطية.
وهذا عكس ما يحصل في الدول التي تحترمُ نفسها وشعبها وقوانينها ، ففي أعرق الديمقراطيات الغربية لتجدنَّ أن رئيسا للوزراء يستقيل بسبب موقف معين لم يكن ملائما ، وترى أن وزيرا يتقدم باستقالته لأنه هدر بضعة دولارت من مال الشعب دون وجه حق ، وكم من مرة تم ويتم استدعاء رؤساء بعد الظن بهم بشبهات فساد وتتمُّ محاكمتهم ، حيث لا حصانات ولا حمايات، فلا أحدَ فوق القانون مهما علا شأنه ، والمال العام مقدسٌ لأنه مال دافعي الضرائب الذين يكدون لجمعه ودفعه ، فله حرمة تطيح بكل من تسول له نفسه التطاول عليه ، ما يجعل من تلك الدول منارةً في التقدم والإزدهار والرقي على كافة الصعد.
فعلى مسافة ثلاثين سنة من اتفاق الطائف وبدء الجمهورية الثانية لم نشهد حالات عقاب لجرائم فساد ونهب للمال العام بالرغم من هدر عشرات المليارات من الدولارات والموثقة بالإعلام وأحيانا القضاء ، والمعروفة من القاصي والداني ، لم نشهد محاكمةَ فاسد واحد في هذه الجمهورية بالرغم من تراشق المسؤولين ليل نهار على المنابر بتهم الفساد بين بعضهم البعض ، فلم تعقد محكمة ولم يحاسب مرتشٍ أو ناهب ولم يزجَّ مسؤول واحد في السجن.
ظلت هذه الحال من الجنون مستمرة حتى أتت على آخر فلس من خزينة الدولة التي بددت ملياراتها من الدولارات على بطانات وبلاطات المسؤولين وأحزابهم ، ولم يرتووا من مصِّ دماء الخزينة بل عمدوا إلى سرقة ودائع الناس في المصارف ،في سابقةٍ لم تشهدها تواريخ الدول والأمم ، وبالرغم من انكشاف القناع وسقوطه منذ العام 2019 واشتراك الجميع به إلا أنَّ سنتا واحدًا لم يتمّ استرجاعه من الأموال المنهوبة.
وجاءت جريمة العصر ، تفجيرُ مرفأ العاصمة شبه النوويِّ الذي لم يبق ولم يذر، مدمرا إحدى أقدم وأعرق مدن العالم، قاتلا المئات وجارحا الآلاف ومشردا عشرات الآلاف في موجة هجرة لم يشهدها لبنان منذ المجاعة، ولكن ما النتيجة ؟ لا شيء ،فبعد أكثر سنتين من تفجير العصر لا تجد مسؤولا من الدرجة الأولى خلف القضبان ، فالنائب والوزير صعودا لا يمكن المسُّ بهم ،بل فقط القبض على بعض الموظفين من هنا وهناك أخذوا ككبش محرقة وتمَّ رميهم منذ أكثر من سنتين دون محاكمة في سابقة لم تحصل في أكثر الدول خروجا على القوانين والأعراف.
فثقافةُ الإفلات من العقاب التي تم انتهاجها منذ الطائف وحتى اليوم والتي أدت إلى ما أدت إليه من نهب البلد وإعادته إلى العصر الحجري وإسقاطه في أتون أسوأ إنهيار إقتصادي ومجاعة ، فضلا عن الإستمرار في تجهيل الفاعل للإفلات مجددا من العقاب ، لم ولن تؤدي سوى إلى الإستمرار في دفع فاتورة ضخمة تتمثلُ في تفكك الدولة وتحللها واضمحلالها ...وطالما استمرَّ نفسُ النهج .....فلا تتوقعْ نتائج مختلفة.

