روجيه أبو فاضل - خاصّ الأفضل نيوز
في واحدة من أبشع الجرائم التي هزّت الرأي العام، أسدلت قاضية التحقيق الأول في جبل لبنان القاضي ندى الأسمر الستار على مرحلة التحقيقات الأولية في قضية مقتل الشابة نسرين الجاسم، وأصدرت بتاريخ 02/03/2026 قرارها الظني بحق زوجها صالح محمد زيني، معتبرة أن الأفعال المنسوبة إليه تشكل جناية القتل العمد المنصوص عليها في المادة 549 من قانون العقوبات، مع الظن به أيضاً بجرائم إضافية مرتبطة باستعمال سكين ممنوع وإخفاء آثار الجريمة.
وتعود فصول القضية إلى أواخر عام 2025 عندما تقدمت والدة الضحية سميرة جاسم ببلاغ إلى فصيلة عرمون بعد اختفاء ابنتها بصورة غامضة، وسط روايات متناقضة أدلى بها الزوج الذي أبلغ العائلة أن نسرين غادرت المنزل ولم تعد، إلا أن الشكوك بدأت تتعاظم بعدما غادر الزوج الأراضي اللبنانية متوجهاً إلى سوريا في توقيت أثار الكثير من علامات الاستفهام.
ومع العثور على جثة متحللة في منطقة حرجية بين رمحالا وقبرشمون، بدأت خيوط القضية تتكشف تدريجياً؛ فقد تعرفت والدة الضحية على ما تبقى من ملابس ابنتها، فيما أظهرت التحقيقات وتحليل كاميرات المراقبة مرور سيارة المدعى عليه قرب المكان الذي عُثر فيه على الجثة، كما كشفت بيانات الاتصالات والحركة الجغرافية للهاتف الخليوي تطابقاً بين مسار تنقلاته ومكان رمي الجثة.
في بداية التحقيقات حاول المدعى عليه إبعاد الشبهات عن نفسه، مدعياً أن خلافاً وقع بينه وبين زوجته أدى إلى سقوطها وارتطام رأسها بالمجلى داخل المنزل، إلا أن الأدلة الجنائية قلبت المشهد بالكامل؛ فقد أظهر الكشف الفني بواسطة مادة اللومينول آثار دماء جرى تنظيفها بعناية داخل المنزل وعلى أجزاء من السيارة، ما دفع المحققين إلى مواجهته بالمعطيات العلمية والأدلة المادية.
عندها انهارت روايته الأولى، ليعترف خلال التحقيقات الأولية بتفاصيل صادمة. وأقر بأنه دخل في خلاف مع زوجته على خلفية اتهامها بالخيانة، قبل أن يحمل سكيناً من المطبخ ويوجه إليها طعنة في البطن. ولم تتوقف الجريمة عند هذا الحد، إذ اعترف بأنه تابع الاعتداء عليها وهي لا تزال على قيد الحياة، فأقدم على ذبحها محدثاً جرحاً عميقاً في عنقها أدى إلى وفاتها.
وبحسب ما ورد في التحقيقات، أمضى المدعى عليه ساعات في محاولة محو آثار الجريمة، فقام بغسل الأرض والجدران وإزالة الدماء بواسطة المياه ومواد التنظيف، ثم لف الجثة بأكياس نايلون ونقلها داخل سيارته قبل الفجر إلى منطقة حرجية نائية حيث تخلص منها، وبعد ذلك عمد إلى رمي السكين والأكياس في البحر لإخفاء معالم الجريمة.
ولم يكتف بذلك، بل تابع تنفيذ خطة تمويه متكاملة، فاتصل بوالدة زوجته مدعياً أنه يبحث عنها، ورافق أفراد عائلتها إلى فصيلة عرمون للإبلاغ عن اختفائها، قبل أن يغادر إلى سوريا ويبيع مصاغها الذهبي هناك ويوزع جزءاً من الأموال على أفراد من عائلته، بحسب ما أظهرته التحقيقات.
ورغم هذه الاعترافات التفصيلية، عاد المدعى عليه أمام قاضي التحقيق الأولى ندى الأسمر وأنكر كل ما نسب إليه، مدعياً أن إفاداته الأولية انتزعت منه تحت الضغط، إلا أن هذا الإنكار اصطدم بسلسلة واسعة من الأدلة، من بينها اعترافاته السابقة، ودلالته المحققين بنفسه على مكان رمي الجثة، وتقارير الأدلة الجنائية، وتحليل الاتصالات، وكاميرات المراقبة، إضافة إلى إفادة النقيب رواد حبشي الذي أكد أن المدعى عليه أدلى باعترافاته طوعاً ومن دون أي إكراه أو ضغط.
وبعد استكمال التحقيقات وتقييم الأدلة والوقائع، خلصت القاضي ندى الأسمر إلى اعتبار فعل صالح محمد زيني جناية قتل عمد وفق المادة 549 من قانون العقوبات، مع الظن به أيضاً بجرم إخفاء معالم الجريمة واستعمال سكين ممنوع، وأحالت الملف إلى محكمة الجنايات في جبل لبنان لمحاكمته واتخاذ القرار النهائي بحقه.
وبذلك تنتقل واحدة من أكثر الجرائم دموية وقسوة إلى مرحلة المحاكمة أمام محكمة الجنايات بجناية المادة ٥٤٩ التي تصل عقوبتها للإعدام ، بعدما كشفت التحقيقات تفاصيل صادمة عن جريمة بدأت بخلاف داخل منزل زوجي وانتهت بجثة مرمية في منطقة نائية ومحاولة مدروسة لإخفاء الحقيقة، قبل أن تسقط أمام الأدلة العلمية والاعترافات والوقائع التي جمعتها الأجهزة الأمنية والقضائية.


