تقرير: إسلام جحا - خاصّ الأفضل نيوز
على وقعِ الأزمةِ الاقتصاديَّةِ الَّتي أصابت شظاياها القطاعَ الصِّحِّيَّ في لبنانَ منذ نحو 3 سنواتٍ، يعيشُ مرضى السَّرطان معاناةً كبيرةً من النَّاحية الصِّحِّيَّة والمادِّيَّة والنَّفسيَّة. وفي الأزمة التي وصفها البنكُ الدَّوليُّ من بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850، لم يبقَ لهؤلاء المرضى سوى استجداءِ المسؤولين والمصارف لتأمين علاجٍ يخفِّف آلامهم، أو الاستسلامِ للموتِ البطيءِ بانتظار أدويةٍ مستوردةٍ يبدو أنّها لم ولن تصل، وأملٍ يخفُت في عيونهم شيئًا فشيئًا.
ويعدُّ سرطانُ الثَّدي واحدًا من أكثر السَّرطانات انتشارًا في العالم، وتحديدًا لدى النِّساء وحتّى الرِّجال، إذ تقدَّر الإحصاءاتُ عددَ الإصابات بواحدةٍ من بين كلِّ 8 نساء، أي بما نسبته 22% من حالات السّرطان في العالم. ووفقًا لأحدث تقريرٍ أصدره المصدرُ العالميُّ للسَّرطان في آذار/ مارس عام 2021، فإنَّ أكثر أنواع السَّرطان شيوعًا في لبنان هو سرطان الثَّدي، حيث بلغت نسبتُه 16,9%، يليه سرطانُ الرِّئة بنسبة 12,1%، ثمَّ سرطان البروستات بنسبة 8,9%. ولأجلِ المرأة، خُصِّصَت الشَّرائطُ الورديَّةُ لرفعِ مستوى الوعي لمكافحةِ سرطان الثَّدي والوقاية منه، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي؛ ليصبحَ أكتوبر/ تشرين الأوَّل الشَّهرَ العالميَّ للتَّوعية على سرطان الثّدي.
وأمام الازديادِ المستمرِّ في نِسبِ المصابين بالسَّرطان في لبنان نتيجة التَّلوُّث والموادِّ المصنَّعة، وتراخي المراقبة الرَّسميَّة، وارتفاعِ أسعار الأدويةِ ما بين 10 إلى 15 ضعفًا، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة وأدوية السَّرطان التي تخضع لفرق أسعار السّوق السَّوداء، يقعُ المرضى ضحيَّةَ الإهمال الطِّبِّيِّ العامِّ في لبنان. وفي هذا الإطار، تحاول وزارةُ الصِّحَّة اتِّباعَ تعرفةٍ جديدةٍ تعتزم تطبيقَها؛ لتواكبَ التَّراجع الكبير في قيمةِ العملةِ الوطنيَّة مقابل الدُّولار؛ للتَّخفيف عن كاهلِ المواطن. وبعد زيادة موازنةِ الاستشفاءِ من 450 مليار ل.ل. إلى 2600 مليار ل.ل. بات الأمر ممكنًا.
وعن الخطَّةِ الوزاريَّةِ، قال رئيسُ لجنةِ الصِّحَّة النِّيابيَّة د.بلال عبدالله للأفضل نيوز: "إنّ خطّةَ الوزارة تقوم على تأمين الدَّواء من خلال تعاونِ الوزارة مع الحكومة ومصرف لبنان، والاستفادة من الموازنة لمحاولة ايصال الدَّواء للمريض مباشرةً، أي خلق هُويَّة (ID) طبيَّة لكلِّ مريضٍ، وفتحِ ملفات المرضى في المستشفيات عكسَ ما كان يحصل سابقًا؛ لأنَّ الدَّواءَ كان يُؤخذ من المستشفيات والشَّركات، وسيتمُّ ذلك عبر التَّواصل مع اللِّجان الطِّبِّيَّة المختصَّة". يضيف رئيسُ لجنة الصِّحَّة: "الاعتماداتُ الَّتي رُصدَت للوزارة لا تكفي لتغطيةِ كلِّ الأدوية، لكن الخطَّةَ بدأت من خلال 9 أدوية، ومن شأن ذلك تخفيف العناء على المريض ومنع التَّسرُّب والتَّهريب".
وعن مراقبةِ الغشِّ في الأدوية، قال عبدالله: "الغشُّ واردٌ، لكن في حالاتٍ نادرةٍ، كتسجيل ملفاتٍ وهميَّةٍ في مراكزَ ليس لديها مرضى، وهذه الخروقات تتمُّ مراقبتُها ومتابعتُها من قبل الوزارة والجهات المختصَّة". أمّا عن المراقبة الصِّحِّيَّة التي أوردتها الوزارةُ في خطَّتها، أشار عبدالله إلى أنّ "الدَّولة منعت أيَّ توظيفٍ جديدٍ، في ظلّ تقاعدِ مئاتِ الأطباء على مرتّبٍ زهيدٍ هو مليونَي ليرةٍ لبنانيَّةٍ، و(الله يعين الوزير بهالوقت الصَّعب)".
في المقابل، كان وزيرُ الصِّحَّة اللُّبنانيَّة فراس الأبيض قد طرحَ في خطته آليَّةَ الخطِّ السَّاخن مع الوزارة لخدمةِ المواطنين، كما طرحَت الوزارةُ في برنامجها حملةً للكشف المبكر لسرطانِ الثَّدي بأسعارٍ تشجيعيّةٍ وصورةِ الثدي - ماموغرافي. وكانت الهيئةُ الوطنيَّةُ لشؤون المرأة اللُّبنانيَّةِ قد أطلقت حملةً للتَّوعية على سرطان الثَّدي في الأوَّل من تشرين الأوَّل، بعنوان "الكشف المبكر لحماية أفضل"، وذلك عقب التَّراجعِ الحاصل في عدمِ قدرةِ بعض النّساء على الوصول إلى المعلومات الطِّبِّيَّة اللَّازمة، أو إجراء الفحصِ الوقائيِّ أو العلاج، ممَّا يطرح الكثيرَ من التَّساؤلاتِ عن المسبِّبات والنَّتائج وسُبل الوقاية.
وللوقوف على أبرز الأسبابِ المؤدِّيةِ إلى انتشارِ سرطان الثّدي، كان للأفضل نيوز حديثٌ من روسيا مع المتخصِّص في الأمراض السَّرطانيَّة د.سامي عمر الذي أكّد أنّ الأسبابَ كثيرةٌ منها: "التَّاريخُ العائليُّ والوراثيُّ للمرأة، الولادة المتأخِّرة، التَّدخين والحالة النَّفسيَّة للمريضة، إلى جانب التَّلوُّث الذي تزداد وتيرته في لبنان".
ولدى سؤاله عن إمكانِ إصابةِ الرِّجال بسرطان الثَّدي، أجاب الدُّكتور عمر: "حالاتُ الإصابةِ ممكنةٌ لدى للرِّجال، خصوصًا للأعمار ما فوق 60، وإن كانت النِّسبةُ أقلَّ من النِّساء، وهي تقدَّر 1/1000. أمّا السَّبب فهو التَّغيُّر الهرمونيُّ، وتعرُّض الرِّجال للإشعاعات خلال حياتهم العمليَّة، بالإضافة إلى تناول الإستروجين، والإفراط في شُربهم للكحول، فيما يخضع المصابون بسرطانِ الثّدي إلى العلاج الشُّعاعيِّ والكيميائيِّ والاستئصال نفسِه كالنِّساء تمامًا".
وعن سُبلِ الوقاية، ينصحُ الدُّكتور عمر بالكشف الوقائي المبكر من عمر 25- 40 سنةٍ بمعدَّل مرةٍ كلَّ سنتين، وبمعدّل مرَّةٍ في السَّنة للنِّساء اللَّواتي تجاوزْنَ ال40 من خلال إجراء صورة الثّدي، وفي حال وجود تاريخٍ عائليٍّ لنساءٍ مصاباتٍ فيُفضِّل الأطباءُ إجراءَ السَّيِّدة كشفين في السَّنة. وعن خطورة سرطان الثدي، يشير الدكتور سامي عمر إلى أنَّ سرطان الثدي ليس قاتلًا إذا تمّ اكتشافُه في مراحله الأولى، وهنا تكمن أهميَّةُ المتابعة والكشف المبكر، أمّا إذا انتشر في كامل الجسمِ فقد يؤدّي إلى الوفاة.
إنَّ مكافحةَ السَّرطان في لبنان تتطلُّب جهودًا جماعيَّةً، تبدأ من اتِّباع سُبل الوقاية على المستوى الفرديّ، واستنفارِ جهوزيةِ وزارةِ الصِّحَّة واللِّجان الطِّبِّيَّة لتأمين الأدوية من أجلِ التَّخفيف من معاناةِ المرضى، فهل ستنجحُ وزارة الصِّحَّة اللُّبنانيَّة في تنفيذ خطَّتها في ظلِّ التحدِّيات القائمة وانتشارِ حالاتٍ جديدةٍ من الكوليرا والكبد الوبائي؟.

