نبيه البرجي_خاص الأفضل نيوز
وسط هذه الفوضى الأبوكاليبتية إن في المشهد الدولي أو في المشهد الإقليمي ، لانملك في أيدينا سوى الورقة الأميركية ، بعدما بدا للكثيرين أن المفاوضات هي السبيل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه . ولكن لمن يلعب البيت الأبيض عادة للبنان أم لإسرائيل التي ما بين "الوديعة الإلهية" و " الوديعة الأميركية" ؟ حتماً لإسرائيل مع إغفال تام للقضية الفلسطينية التي هي الأساس في أزمة الشرق الأوسط التي لكأنها الأزمة الأبدية ها أن دونالد ترامب الذي يلاحقه هاجس الانتخابات النصفية يدعو ، بلهجة آمرة، كلاً من السعودية والإمارات وقطر وتركيا وباكستان ومصر والأردن والبحرين للالتحاق بـ"اتفاقيات أبراهام" .
ما يفترض التوقف عنده أن الدعوة الى الطواف حول الهيكل لم تعد تقتصر على العالم العربي تعدّته الى العالم الإسلامي . لكن السعودية ،كدولة مركزية في هذين العالمين ما زالت تؤكد على موقفها المبدئي والقاطع وكان التعبير الأخير له في تصريح مسوؤل سعودي لشبكة CNN الأميركية "لا تطبيع مع إسرائيل دون مسار لا رجعة فيه لإقامة دولة فلسطينية" ، وبعدما بات واضحاً مدى التصدع في المعسكر اليميني ، ولكن في اتجاه مزيد من العسكرة . في استطلاع لقناة 12 تبين أن رئيس الأركان السابق الجنرال غادي إشكنازي يتقدم على نفتالي بينيت في رئاسة الحكومة (45 % مقابل 36 %) ، بالرغم من أن غالبية الإسرائيليين ترى أن الجيش ، وهو العمود الفقري للدولة ، أظهر عجزاً صارخاً في حرب غزة كما في حرب لبنان ...
هنا يكتب ناحوم برنياع أن على زعيم الليكود أن يختار بين الزنزانة والمقبرة . الكاتبان في "النيويورك تايمز" ديفيد هالفيغر ورونين بيرغمان أعدا تقريراً جاء فيه أن نتنياهو دخل الى الحرب وهو يعتقد أن الضربات المشتركة الأميركية ـ الإسرائيلية قد تؤدي الى تقويض النظام الإيراني (للانقضاض على دول أخرى في الطريق الى إسرائيل الكبرى) ، وإنهاء برنامجه النووي بشكل نهائي ، ليشيرالتقرير الى أن المشهد تغير كثيراً بعد تعثر الأهداف الكبرى للحرب ، وكان أن الولايات المتحدة استبعدت تل أبيب من المفاوضات ما شكل ضربة سياسية لنتنياهو الذي "تحول من شريك استراتيجي الى راكب في الدرجة الثانية من القطار" !
لكنه الجنون الأميركي في الشرق الأوسط الذي شرّع الأبواب أمام البربرية الإسرائيلية لتأخذ مداها التوراتي وحتى التلمودي الذي يتعدى كل المواثيق والأعراف الدولية ، لنتوقف عند قول الفيلسوف الفرنسي اليهودي إدغار موران والذي رحل منذ أيام "لا بد أن يقع نتنياهو ليس فقط عن ظهر التاريخ وإنما عن ظهر الشيطان" .
هنا يوجد من يتحدث عن جهات في الإقليم حاولت استخدام الإيديولوجيا ، وبصورة عرجاء ، لأغراض جيوسياسية وجيوستراتيجية ، بعيداً عن الواقعية وحيث لا مكان للاعب آخر في الحلبة الإقليمية ، وحتى في الحلبة الدولية ، سوى للاعب الأميركي ، كما يوجد من يرى في المفاوضات غير المباشرة بدعة ديبلوماسية لا مبرر لها على الإطلاق . الدليل أن الفيتناميين تفاوضوا بشكل مباشر مع الأميركيين بعد حرب قضى فيها ما بين 1.5 مليون و3 ملايين فيتنامي و 58000 أميركي ، الى جانب مقتل مئات آلاف الجنود من فيتنام الجنوبية ، وكذلك الأفغان الذين فاوضوا الأميركيين بالرغم من مصرع مئات آلاف الأفغان ، وآلاف الجنود الأميركيين والأطلسيين .
لا مجال البتة للدفاع عن نظرة دونالد ترامب إن الى المنطقة أو الى العالم ، لنجد أن الكرة الأرضية وقد تحولت الى كرة النار . مواقف متناقضة وتزيد في ضبابية وفي فوضوية المشهد . معلقون أميركيون عقدوا مقارنة بينه وبين كاليغولا ، الأمبراطور الروماني الذي عيّن حصانه كاهناً ثم وزيراً . "الواشنطن بوست" أحصت له 30537 تصريحاً "عشوائياً" خلال ولايته الأولى ، ليثابر على الايقاع نفسه في الولاية الثانية ، الذين قاربوا فرويدياً شخصية الرئيس الأميركي وصفوه بـ"الشخص غير القابل للتوقع" (Impredictable ) ، وهذا ما يؤثر بصورة خطيرة على العلاقات الاستراتيجية للولايات المتحدة حتى مع الحلفاء ...
الأكثر خطورة في هذا السياق تعامله مع قضايا عربية وإسلامية ذات دلالات حساسة على المستوى السياسي والأمني وحتى الوجودي مثل القضية الفلسطينية ، وحيث الكلمة الأولى في القرار الأميركي للتيار المسيحي الإنجيلي الذي يتبنى المقولات اللاهوتية للحاخامات ، ما يعبر عنه على نحو جليّ وزير الدفاع بيت هيغسيث الذي يقيم صلوات توراتية في البنتاغون يحضرها قساوسة مثيرون للجدل ، والى حد التسويق الفظ لـ"القومية المسيحية" ، بعدما كنا قد ذكرنا مدى تأثر دونالد ترامب بنظرية صمويل هانتنغتون حول صدام الحضارات (اليهومسيحية مقابل الكونفوإسلامية) لغاية نزع الصفة الإلهية عن الديانة الإسلامية .
تشاك هيغل ، وزير الدفاع في عهد باراك أوباما ، حذر من اللعب على "الحافة الأخيرة للهاوية" في الشرق الأوسط ، بالتضاريس الإيديولوجية والتاريخية البالغة التعقيد ، معتبراً أن مقاربة قضايا المنطقة تحتاج الى حكمة الأنبياء لا الى فوضوية المجانين" . ثمة دماء كثيرة ، نيران كثيرة ، في الأفق إذا ما وصلت المفاوضات هنا وهناك الى أبواب جهنم ...

