ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
قبل أشهر قليلة من انطلاق كأس العالم ٢٠٢٦، يبدو أن البطولة التي أرادها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" أن تكون النسخة الأكبر والأكثر انفتاحاً في التاريخ، تتحول تدريجياً إلى واحدة من أكثر النسخ تعقيداً وإثارة للقلق على المستويات السياسيّة والأمنيّة والصحيّة واللوجستيّة.
المونديال الذي سيقام للمرة الأولى في ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وعلى امتداد ١٦ مدينة مختلفة، لا يواجه فقط تحديات تنظيميّة ضخمة، بل يجد نفسه وسط عواصف دوليّة متلاحقة قد تجعل كرة القدم رهينة السياسة أكثر من أي وقت مضى.
في مقدمة هذه الأزمات، يبرز الملف الإيراني الذي يثير تساؤلات واسعة داخل الأوساط الرياضية والدبلوماسية. فمع استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة، عادت المخاوف المرتبطة بالتأشيرات إلى الواجهة، خصوصاً بعد القيود التي فرضتها واشنطن على عدد من الجنسيات. ورغم وجود استثناء رسمي يسمح للاعبين والبعثات الرياضية بالمشاركة في البطولات الكبرى، إلا أن الضبابية لا تزال تحيط بمسألة دخول المشجعين الإيرانيين، فضلاً عن المخاوف من أي تصعيد سياسي قد ينعكس مباشرة على المنتخب أو جماهيره. ووصلت الأزمة إلى حد الحديث عن اعتراضات إيرانية مرتبطة بإجراءات التأشيرات والدخول إلى الأراضي الأميركية.
ولا تتوقف المخاوف عند الملف الإيراني فقط، فهناك قائمة طويلة من الجنسيات التي تواجه تعقيدات متزايدة للحصول على تأشيرات الدخول. وسط تحذيرات من أن يتحول المونديال إلى بطولة يصعب على جماهير عدة دول الوصول إليها بسهولة. وقد بدأت منظمات حقوقية وجماعات مدنية في الولايات المتحدة بإطلاق حملات توعية وتحذير بسبب مخاوف مرتبطة بإجراءات الهجرة والتفتيش والتعامل مع الزوار الأجانب خلال البطولة.
أما على الجانب الصحي، فتفرض أزمة وباء إيبولا نفسها بقوة على المشهد العالمي. فالتفشي الجديد للفيروس في جمهورية الكونغو الديمقراطية أثار قلقاً دولياً واسعاً بعدما تجاوز عدد الإصابات المؤكدة والمشتبه بها مئات الحالات مع تسجيل وفيات متزايدة وانتقال العدوى إلى مناطق جديدة. وفي حال نجح المنتخب الكونغولي في تثبيت حضوره على الساحة العالمية، فإن إجراءات السفر والفحوص الصحيّة والحجر الوقائي قد تتحول إلى عبء إضافي على اللاعبين والبعثات الرياضية وحتى الجماهير القادمة من المنطقة. ورغم تأكيد جهات رسميّة أن المخاطر المرتبطة بانتقال المرض عبر الوفود الرياضية تبقى تحت السيطرة، إلا أن شبح الوباء عاد ليضع الرياضة أمام اختبار صحي جديد بعد سنوات قليلة فقط من تداعيات جائحة كورونا.
ومن الناحية الجغرافية، يواجه مونديال ٢٠٢٦ تحدياً غير مسبوق. فالمسافات بين المدن المستضيفة تمتد آلاف الكيلومترات، ما يعني أن بعض المنتخبات والجماهير قد تضطر إلى التنقل المستمر بين مناطق زمنية مختلفة ودول متعددة خلال فترة قصيرة. هذه الرحلات الطويلة لا ترفع فقط الكلفة المالية للمشاركة والحضور، بل تضع اللاعبين أمام إرهاق بدني إضافي قد يؤثر مباشرة على الأداء الفني داخل الملعب. كما أن الانتقادات البيئية تتصاعد بسبب حجم الرحلات الجوية المتوقع بين المدن المضيفة، في نسخة توصف بأنها من الأكثر استنزافاً للطاقة والانبعاثات الكربونية في تاريخ كأس العالم.
لكن ربما يبقى العامل المناخي الخطر الأكبر الذي يهدد البطولة. فالدراسات والتحذيرات الصادرة خلال الأشهر الأخيرة رسمت صورة مقلقة عن درجات الحرارة المرتفعة المتوقعة في عدد من المدن المضيفة خلال شهري يونيو ويوليو. بعض الدراسات حذرت من أن نسبة ملحوظة من المباريات قد تُقام في ظروف تتجاوز الحدود الآمنة الموصى بها للاعبين، فيما اضطرت "فيفا" إلى اعتماد فترات إلزامية إضافية لشرب المياه والتبريد خلال اللقاءات. وتبدو مدن مثل ميامي ودالاس وكانساس سيتي بين أكثر المناطق عرضة لموجات الحر القاسية التي قد تؤثر على اللاعبين والجماهير والحكام في آن واحد.
في الظاهر، يبدو مونديال ٢٠٢٦ احتفالاً كروياً ضخماً يضم ٤٨ منتخباً للمرة الأولى في التاريخ. لكن خلف الملاعب الممتلئة والجماهير المنتظرة، تتراكم ملفات السياسة والصحة والهجرة والمناخ والجغرافيا بطريقة غير مسبوقة. وبينما تستعد الكرة الأرضية لمتابعة أكبر حدث رياضي عالمي، يبقى السؤال الأهم: هل سينجح كأس العالم في البقاء بطولة لكرة القدم فقط، أم أن أزمات العالم ستفرض نفسها على المستطيل الأخضر وتحوّل المونديال إلى مرآة تعكس الانقسامات والتوترات التي يعيشها العالم اليوم؟
في مونديال 2026، قد لا تكون المنافسة الحقيقية فقط على الكأس الذهبية، بل على قدرة الرياضة نفسها على تجاوز الحدود السياسية والصحية والمناخية التي باتت تطاردها في كل مكان.

