أكرم حمدان - خاص "الأفضل نيوز"
كثيرة هي المناسبات التي قد تكون مؤلمة وحزينة، أو ربما غير ذلك، لكن لشهر حزيران وأيامه نكهة خاصة من الألم والذكرى، خصوصًا في لبنان.
ففي أول أيامه، ومنذ 39 سنة، خسر لبنان قامةً وهامةً وطنية وعربية كبيرة جدًا، تمثلت بالرئيس رشيد كرامي الذي سقط شهيدًا إثر عملية اغتيال جبانة نُفذت من خلال زرع عبوة ناسفة خلف مقعده في طوافة تابعة للجيش اللبناني.
لقد كان الرئيس الشهيد رشيد كرامي قامة وطنية وعروبية استثنائية، آمن بوحدة لبنان وانتمائه العربي، وشكّل صوتًا للاعتدال والحكمة، مدافعًا عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، رافضًا مشاريع الفتنة والتقسيم، وفق توصيف النائب حسن مراد.
كما أن اغتيال كرامي جاء بسبب مواقفه الوطنية ومشروعه الوحدوي والعروبي، هذا المشروع الذي كان أكبر من الحسابات الضيقة ومشاريع الفتنة القديمة والمتجددة.
فكم نحن بحاجة إلى التمسك بثوابت الرئيس الشهيد الرشيد في هذه الأيام، والعمل من أجل لبنان عربي الهوية، سيد القرار، وجامع لكل أبنائه.
لقد مرّ 39 عامًا على استشهاد كرامي، ولا يزال حاضرًا؛ فهو الذي قال "لا" للتقسيم، ودافع عن عروبة لبنان وهويته، وجسّد هيبة الدولة في ظل استباحة الميليشيات الطائفية للأرض والإنسان. لقد اغتيل الرئيس رشيد كرامي وهو يحمل مفاتيح تسوية تاريخية لإنقاذ البلاد حينها من ويلات الحرب والتقسيم، فارتقى شهيدًا لأجل وطن لم يرضَ له إلا العزة والشموخ.
أدرك الرئيس الشهيد رشيد كرامي أن المشروع الصهيوني التوسعي هو الخطر الوجودي الأكبر على الوطن والأمة، فجعل مواجهته في صلب أولوياته.
وانطلاقًا من قناعته الراسخة بأن سيادة لبنان ليست موضع تفاوض أو تنازل، تصدّى لاتفاق 17 أيار، ورفض ما مثّله من محاولة لجرّ لبنان إلى التطبيع مع الكيان الغاصب للأرض والمقدسات، فكان في طليعة مؤسسي "جبهة الإنقاذ الوطني" التي قادت معركة إسقاط الاتفاق تحت قبة البرلمان.
آمن بأن الحوار ضرورة وجودية لوطن لا يحتمل الخطأ، ولم يحوّل خصومه إلى أعداء، بل تعامل معهم كشركاء في وطن يتسع للجميع، فكان الرجل الذي يجمع ولا يفرّق، وجعل من طاولة الحوار ساحةً للتلاقي لا للإلغاء.
انتهج سيادة القانون مرجعيةً وحيدة لإدارة المؤسسات، وعمل على صون وحدة لبنان واستقلاله، ورفض كل محاولات الشرذمة والتفرقة.
لم يكن رشيد كرامي رجلًا وطنيًا فحسب، بل كان قوميًا عربيًا حتى العظم، وكانت فلسطين بالنسبة إليه قضية مقدسة، وكذلك لا مهادنة مع إسرائيل ولا صلح ولا اعتراف. كان يمكن أن يُستفز في أي موقف ويبقى هادئًا، إلا مع إسرائيل، فإنه كان يذهب إلى حد الانفعال.
لقد كان من أوائل رؤساء الحكومات الذين احتضنوا أبناء الجنوب والعرقوب الذين هجّرهم الاحتلال واحتل أرضهم، وكان من الذين دافعوا عن حقوق لبنان ولم يترددوا في اتخاذ المواقف الوطنية الصلبة.
إن اغتياله كان اغتيالًا لمعنى الدولة، ولمنهج الحوار والاعتدال، ولإحدى الركائز التي آمنت بأن السلم الأهلي هو جوهر الشرعية الوطنية.
تأتي ذكرى استشهاد الرشيد في هذه الأيام ولبنان يعاني مما كان يحذر منه الشهيد الرشيد، فكم نحن بحاجة لأمثاله.

