روجيه أبو فاضل - خاص الأفضل نيوز
في ملف خطير كشفه جهاز أمن الدولة، وبمتابعة شخصية من المدير العام اللواء إدكار لواندس للتحقيقات، وبادعاء صارم من النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر، باشرت قاضية التحقيق الأولى في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر تحقيقاتها في ملف يُعدّ من أخطر الملفات التي تمسّ سلامة الطيران المدني في لبنان، بعدما أظهرت المعطيات الأولية وجود شبهات تزوير في سجلات الرحلات الجوية، واستيفاء أموال من الطلاب دون وجه حق، وتدريب طلاب طيران من قبل أشخاص غير حائزين التراخيص القانونية، بما يلامس حدود العبث بأرواح الناس ويطرح أسئلة خطيرة حول سلامة المسافرين وأمن الطيران.
الملف الذي انطلق من تحقيقات المديرية العامة لأمن الدولة لم يعد مجرد مخالفة إدارية عابرة داخل شركة تدريب على الطيران، بل تحوّل إلى قضية سلامة عامة بامتياز، بعدما تبيّن، بحسب التحقيقات، وجود تلاعب في سجلات رحلات جوية، ومحو وإضافة أسماء مدربين واستبدال أسماء بأخرى بهدف إخفاء واقع قيام أشخاص بالتدريب قبل حصولهم على الكفاءة القانونية المطلوبة من المديرية العامة للطيران المدني.
وفي ضوء هذه المعطيات، ادعى القاضي سامي صادر بجرائم التزوير واستعمال المزوّر والرشوة والاحتيال واستيفاء أموال دون وجه حق، وأفعال من شأنها تعريض سلامة الطيران للخطر، وذلك بحق كل من و. ح. وع. ي.، ومن يظهره التحقيق، بعدما أظهرت الإفادات وجود شبهات مرتبطة بتعديل سجلات رسمية، وتدريب طلاب من دون تراخيص، وتقاضي مبالغ مالية من الطلاب تحت عناوين مختلفة، من بينها امتحانات اللغة الإنكليزية ودروس إضافية وتسهيلات مزعومة.
وبحسب ما ورد في التحقيقات، فإن أحد الطلاب أفاد بدايةً بأن سجل الرحلات الجوي الخاص به جرى تعديله بعد تسليمه إلى الشركة، قبل أن يعود ويقرّ لاحقًا بأن الطيار و. ح. تسلّم السجل منه وقام، بحسب إفادته، بمحو اسمه واستبداله باسم الطيار ع. ي. في عدد من الرحلات التدريبية، وذلك بعدما كان و. ح. قد تولّى تدريبه في مرحلة لم يكن فيها حائزًا بعد على كفاءة مدرب طيران.
كما بيّنت المراسلات الواردة من مصلحة سلامة الطيران أن الطيار و. ح. لم يحصل على كفاءة مدرب طيران إلا بتاريخ 28 أيلول 2023، في حين أظهرت نماذج من سجلات برج المراقبة قيامه بتدريب عدد من الطلاب خلال عامي 2022 و2023، الأمر الذي شكّل نقطة مركزية في التحقيقات لما يحمله من خطورة مباشرة على سلامة التدريب الجوي وعلى أهلية الطلاب الذين يتابعون طريقهم نحو قيادة الطائرات.
والأخطر أن الإفادات تحدثت عن استيفاء مبالغ مالية كبيرة من طلاب لقاء امتحانات اللغة الإنكليزية (ELP)، تفوق الكلفة الفعلية بكثير، حيث تحدث بعض الطلاب عن مبالغ وصلت إلى آلاف الدولارات من دون إيصالات رسمية، في حين ورد في التحقيقات أن هذه الأموال كانت تُدفع بصورة غير منظمة وتُوزّع بين أشخاص داخل الدائرة المعنية بالتدريب.
وفي إفادة و. ح. أقرّ بأنه كان يقوم بالتدريب قبل حصوله على الرخصة القانونية، وأن ذلك كان بعلم المدير المسؤول ع. ي.، كما أقرّ بأنه أجرى تعديلات على سجل الطالب ك. ح. عبر محو اسمه واستبداله باسم المدرب ع. ي. بهدف مطابقة السجلات وتفادي أي إشكال قانوني ناتج عن تدريبه دون رخصة. كما تحدث عن اتفاق غير رسمي لتقاسم مبالغ كانت تُدفع من بعض الطلاب لقاء دروس إضافية أو تسهيلات من دون إدخالها في حسابات الشركة.
أما ع. ي. فقد أقرّ، بحسب ما ورد في المحضر، بأنه كان على علم بقيام و. ح. بالتدريب دون رخصة وبالتعديلات التي حصلت على سجلات الطيارين، كما تحدث عن استيفاء مبالغ إضافية من بعض الطلاب وتقاسمها، وعن دفع مبالغ في بعض الحالات لتسهيل معاملات وتسريع إنجازها، الأمر الذي استدعى تنظيم محضر منفصل بموضوع الرشاوى المدفوعة لموظفين في المديرية العامة للطيران المدني وشركة طيران الشرق الأوسط MEA.
وبعد مراجعة المحامي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، أُشير بتوقيف كل من و. ح. وع. ي. بجرائم التزوير واستيفاء أموال دون وجه حق، فيما تُرك كل من ك. ح. وم. ع. رهن التحقيق، وأُحيل المحضر مع الموقوفين إلى النيابة العامة التمييزية لإجراء المقتضى القانوني.
وتعتبر مصادر قضائية متابعة أن خطورة الملف لا تكمن فقط في التلاعب بالأوراق والسجلات، بل في ما يمكن أن ينتج عن هذه الممارسات من تعريض مباشر لحياة الناس للخطر، إذ إن أي خلل في تدريب الطيارين أو أي تزوير في ساعات الطيران أو هوية المدرب المشرف لا يبقى مخالفة داخلية، بل يتحول إلى تهديد حقيقي لسلامة الركاب والطائرات والمجال الجوي.
وبين متابعة أمن الدولة للملف بإشراف اللواء إدكار لواندس، وادعاء القاضي سامي صادر، ومباشرة القاضية ندى الأسمر تحقيقاتها، يدخل ملف Beirut Wings مرحلة قضائية دقيقة قد تفتح الباب أمام كشف أوسع لشبكة مخالفات ورشاوى وتلاعب داخل قطاع حساس لا يحتمل المجاملة ولا التسويات، لأن أي تساهل فيه لا يهدد مؤسسة أو شركة فحسب، بل يهدد أرواح المسافرين وثقة الناس بالطيران المدني في لبنان.

