ندى أندراوس _خاص الأفضل نيوز
لا تنظر مصادر سياسية مطلعة إلى البيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل على أنه مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، بل تعتبره وثيقة سياسية تحمل أبعاداً تتجاوز الجنوب اللبناني إلى إعادة رسم جزء من المشهد الإقليمي وتحديد قواعد اللعبة الجديدة في لبنان.
وبحسب ما كشفت هذه المصادر، فإن أهمية البيان تبدأ من شكله قبل مضمونه. فواشنطن حرصت على الظهور كراعٍ وحيد للمفاوضات، مؤكدة أكثر من مرة أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتم بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية مباشرة وبرعاية أميركية. وتقرأ المصادر في هذه الصياغة رسالة واضحة إلى إيران مفادها أن الملف اللبناني بات يُدار ضمن مسار مختلف، بعيداً من أي قنوات أو وساطات موازية.
أما في المضمون، فتعتبر المصادر أن الوثيقة تتجاوز وقف إطلاق النار لتؤسس لمسار سياسي وأمني طويل الأمد. فالتشديد على إنشاء مناطق تجريبية يسيطر عليها الجيش اللبناني حصراً، ومنع أي وجود لجهات غير حكومية، إضافة إلى الحديث عن تفكيك المجموعات المسلحة ومنع إعادة تشكلها، يعكس توجهاً أميركياً واضحاً نحو تكريس حصرية السلاح بيد الدولة.
وتلفت المصادر إلى أن الولايات المتحدة حاولت للمرة الأولى الربط بين دعم الجيش اللبناني وتعزيز مؤسسات الدولة من جهة، وبين معالجة ملف سلاح حزب الله من جهة أخرى، ما يوحي بأن واشنطن تسعى إلى بناء واقع أمني جديد تكون فيه الدولة المرجعية الوحيدة على الأراضي اللبنانية.
في المقابل، يبدو أن إسرائيل حققت مكاسب سياسية وأمنية مهمة. فالبيان ربط وقف إطلاق النار بوقف كامل لإطلاق النار من جانب حزب الله وانسحاب عناصره من جنوب الليطاني، كما أعاد التأكيد على أن الأمن المستدام يتحقق من خلال نزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته العسكرية. وترى المصادر أن تل أبيب نجحت في نقل ملف سلاح حزب الله من كونه مطلباً إسرائيلياً إلى بند مطروح ضمن إطار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة.
أما البعد الإقليمي الأبرز، فيتمثل في إدانة الهجمات الإيرانية ودعم الوكلاء في المنطقة. وتعتبر المصادر أن هذا البند لم يكن تفصيلاً عابراً، بل يعكس محاولة أميركية لفصل الساحة اللبنانية عن النفوذ الإيراني، وإعادة ربطها بمؤسسات الدولة اللبنانية.
وفي هذا السياق، تتوقف المصادر عند ما تصفه بـ"الكباش الأميركي الإيراني المفتوح على الساحة اللبنانية". فبرأيها، كشفت ردود الفعل السريعة على البيان أن جوهر المواجهة لا يتعلق فقط بترتيبات جنوب الليطاني أو بآليات وقف إطلاق النار، بل بمستقبل الدور الإيراني في لبنان. فرفض الحرس الثوري الإيراني للبيان، بالتوازي مع موقف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الرافض لمضامينه، يعكس حجم القلق من المسار الذي تحاول واشنطن فرضه.
وتقول المصادر إن جوهر الخلاف يتمحور حول هوية الجهة التي ستملك قرار الحرب والسلم في لبنان خلال المرحلة المقبلة. فالبيان يسعى إلى نقل هذا القرار حصراً إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، فيما ترى إيران وحزب الله أن أي ترتيبات تضع سلاح الحزب على طاولة البحث تمسّ مباشرة بالتوازنات التي قامت خلال العقود الماضية.
وتعتبر المصادر أن واشنطن تحاول للمرة الأولى تحويل مسألة حصرية السلاح بيد الدولة من مطلب سياسي إلى مسار تفاوضي دولي واضح المعالم، يبدأ من الجنوب ولا ينتهي عنده. ولذلك جاء الرفض الإيراني سريعاً، لأن ما يُطرح لا يتعلق فقط بموقع حزب الله داخل لبنان، بل أيضاً بإحدى أبرز أوراق النفوذ الإيراني في المنطقة.
أما موقف حزب الله، فتقرأه المصادر على أنه رفض لتحويل البيان إلى مرجعية سياسية للمفاوضات المقبلة. فالحزب يدرك أن القبول بمضامين الوثيقة، ولا سيما ما يتعلق بالمناطق التجريبية وحصرية السلاح والتفاوض المباشر بين الدولتين، يعني عملياً انتقال النقاش من إدارة الصراع مع إسرائيل إلى البحث في مستقبل دوره العسكري والسياسي داخل لبنان.
لكن رغم ذلك، لا تبدو الطريق سهلة أمام تنفيذ ما طورد في البيان. فإيران لن تتخلى بسهولة عن إحدى أهم أوراق نفوذها الإقليمية، كما أن حزب الله لا يزال يمتلك عناصر قوة سياسية وعسكرية وشعبية داخل لبنان. وفي المقابل، تواصل إسرائيل ضغوطها العسكرية، ما يطرح تساؤلات حول مدى استعدادها للانتقال من مرحلة الضغط إلى مرحلة التسوية.
لذلك، ترى المصادر أن البيان يشكل بداية مرحلة جديدة أكثر مما يشكل اتفاقاً نهائياً. فهو رسم إطاراً سياسياً وأمنياً واضحاً، لكنه ترك الملفات الأكثر حساسية إلى الجولات المقبلة من المفاوضات. وبينما تعتبره واشنطن خطوة أولى نحو واقع لبناني جديد، يبقى نجاحه رهناً بقدرته على الصمود أمام اعتراضات إيران وحزب الله من جهة، واستمرار الضغوط والتصعيد الإسرائيلي من جهة أخرى. فالمعركة الحقيقية التي كشفها البيان لا تدور حول وقف النار فقط، بل حول هوية لبنان الاستراتيجية وموقعه في الصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران خلال السنوات المقبلة.

