نبيه البرجي - خاص الأفضل نيوز
على الأقل، وقفة مع الذات، ونحن أمام ذلك الاختبار التاريخي الخطير. تلك السلسلة الطويلة من الأخطاء التي راحت تنقلنا من وصاية إلى وصاية، لنستقر تحت الوصاية الأميركية. الخوف من الوصاية الإسرائيلية. ألم يقل دونالد ترامب إنه فعل لإسرائيل ما لم يفعله أي رئيس أميركي آخر؟ ما المانع في أن يستمر في هذه السياسة، وهو الذي يعلم مدى تأثير اللوبي اليهودي داخل "الدولة العميقة"، وكذلك في مسار الانتخابات النصفية التي باتت على الأبواب؟
لطالما حذرنا الفرنسيون من تداعيات التصدع الداخلي ـ وهو التصدع البنيوي ـ على مصير الدولة اللبنانية، والذي لا بد أن يصل بنا، عاجلاً أم آجلاً، إلى النكبة السياسية أو إلى النكبة العسكرية. الآن، لبنان أمام النكبة السياسية والنكبة العسكرية على السواء، ما دمنا قد خبرنا إلى أين يمكن أن تمضي بنا تلك البربرية الآتية من قاع الأيديولوجيات ومن قاع الأزمنة...
هكذا قال أهل السلطة: اتفاق واشنطن أفضل الممكن على الورق. هل يكون أسوأ المستحيل على الأرض، إذا ما استعدنا التجربة السورية التي أوقفتها دمشق في منتصف الطريق، بالرغم من الضغوط الأميركية (الهائلة)، والتجربة الفلسطينية حيث ظل اتفاق أوسلو يتآكل وتتآكل معه الضفة الغربية بالمستوطنات اللولبية التي تجعل من المدن والبلدات العربية أشبه ما تكون بـ"أرخبيل غولاغ"، وهو المعسكر الرهيب الذي أقامه ستالين لمعاقبة معارضيه في سيبيريا.
منذ البداية قلنا لمن يعنيهم الأمر إن ثمة لاعباً وحيداً في هذه المنطقة هو اللاعب الأميركي، إذا ما استذكرنا وصف المستشرق الشهير برنارد لويس للشرق الأوسط بـ"العربة العتيقة التي تجرها آلهة مجنونة". ماذا حين يكون هناك إله واحد مجنون يجر العربة، ودائماً لمصلحة الدولة العبرية؟
على هامش المسار التفاوضي، ندرك مدى تأثير إسرائيل حتى داخل البيت الأبيض، وحتى في مخدع الليدي غاغا (نجمة الاستعراض الشهيرة). وإذا كان ترامب قد لمس لدى صديقه نتنياهو "الجنون المطلق"، ليسأله "بحق الجحيم إلى أين تذهب بإسرائيل؟"، ففي الساعة نفسها تحدث عن "قوة كيمياء العمل بينهما"، لنصل إلى السؤال البديهي: ما هي الخطوة الأولى في المسار العملي للمفاوضات؟
في التوصيف التقني لما حصل: اتفاق ـ إطار (Framework Agreement)، ليبدأ طريق الجلجلة أمام المفاوض اللبناني الذي لا أوراق بين يديه سوى الورقة الأميركية، أمام مفاوض لم يأخذ، يوماً، لا بالمواثيق الدولية ولا بالقرارات الدولية (ولا بالأخلاقيات التي تسود العلاقات بين الدول). لكننا نعلم مدى التداخل بين التشكيل اللاهوتي ـ السياسي للعقل الأميركي والتشكيل اللاهوتي ـ السياسي للعقل الإسرائيلي، ومنذ أن شرع البيوريتانز (الطهرانيون) الإنكليز في المنتصف الثاني من القرن السابع عشر بإقامة "المستوطنات التوراتية" داخل منطقة اللاوعي (الديني) في الشخصية الأميركية.
نعود إلى التذكير بأن النموذج اللبناني القائم على التفاعل بين الديانات، وبين الثقافات، كان ولا يزال الهاجس لدى الإسرائيليين الذين يرون فيه "الكائن الهجين الذي ولد من الخاصرة الفرنسية". أما الآن، وقد زال الدور الفرنسي، فيُفترض زوال "الوديعة الفرنسية"، ليكون لبنان تحت الوصاية الإسرائيلية، وهذا ما سعى إليه الثنائي مناحيم بيغن ـ آرييل شارون في ذروة الاجتياح الإسرائيلي من خلال 17 أيار، الذي أسقطه الإسرائيليون قبل أن تسقطه الانتفاضة التي قامت في 6 شباط 1984.
مثلما راهن الثنائي آنذاك على أجواء الحرب الأهلية، نخشى القول: "إنها الحرب الأهلية الآن مع وقف التنفيذ" (أو بانتظار التنفيذ)، ما دام نتنياهو يعتبر نفسه، وباللهجة الدونكيشوتية إياها، المايسترو الذي يقود معركة "تغيير الشرق الأوسط". ولكن أين هو زعيم الليكود الآن؟ ناحوم بارنياع يسخر منه. هو من فرش الطريق بجثث عشرات آلاف الفلسطينيين أمام دونالد ترامب للدخول الإمبراطوري إلى الشرق الأوسط، يبدو الآن بين يديه كالدمية الخربة التي تُلقى في صندوق القمامة.
حتى أن قناة "فوكس نيوز" بدأت تتكلم عن أن الجنرال غادي أشكنازي، وهو من أصل مغربي، في الطريق إلى رئاسة الحكومة. في هذه الحال، ما مصير نتنياهو الذي كان هو من اختار أشكنازي لرئاسة الأركان؟ هنا نتوقف عند وصف المؤرخ شلومو ساند لرئيس الحكومة بـ"الرجل الذي يقود اليهود إلى نوع آخر من المحرقة". اليهود يقتلون اليهودي، بعد تلك الحروب التي أدت إلى تصدعات خطيرة، إن داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أو داخل الدولة الإسرائيلية...
لطالما لاحظنا أن مهمة الإسرائيليين في كل مفاوضات هي وضع العثرة أمام العثرة. لكن الرئيس جوزاف عون لا يمكن أن يتحمل أي شكل من أشكال المراوغة أو المماطلة، ليبقى الرهان الوحيد على دونالد ترامب الذي ستكون على كتفيه أثقال كثيرة في الحقبة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات الكابيتول وانعكاساتها على الأداء الرئاسي.
وسط تلك التشابكات الهائلة في المشهد الإقليمي، وفي المشهد الدولي، صورة المفاوض اللبناني وهو مكلل بالشوك...

