ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي يفصل بين ضفتي الخليج العربي، بل تحول خلال الأشهر الماضية إلى عنوان الأزمة الاقتصادية الأكبر في العالم. فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من شباط الماضي، دخلت أسواق الطاقة مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب، انعكست مباشرة على أسعار النفط، وحركة التجارة العالمية، ومستويات التضخم في عشرات الدول.
وتشير معلومات خاصة حصلت عليها "الأفضل نيوز" من مصادر متابعة لأسواق الطاقة الإقليمية إلى أن عدداً متزايداً من شركات الشحن البحري وشركات التأمين الدولية أعاد تقييم مساراته التشغيلية في الخليج، فيما فضّلت ناقلات عدة الانتظار في موانئ ومناطق آمنة بدلاً من المخاطرة بالعبور عبر الممر البحري الأكثر حساسية في العالم.
ويُعد مضيق هرمز شريان الطاقة الأهم عالمياً، إذ يمر عبره ما يقارب 20 مليون برميل من النفط يومياً، إضافة إلى جزء كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال.
لذلك، لم يكن مستغرباً أن تقفز أسعار النفط فوق حاجز المئة دولار للبرميل مع تصاعد المخاوف من استمرار الأزمة أو توسعها.
وتوضح مصادر اقتصادية أخرى أن خطورة الأزمة الحالية لا تكمن فقط في تراجع الإمدادات النفطية، بل في فقدان الثقة بسلاسل التوريد العالمية، وهو ما ينعكس تلقائياً على أسعار النقل البحري والتأمين والشحن، وصولاً إلى أسعار السلع الاستهلاكية في مختلف الأسواق.
أوضحت الخبيرة الاقتصادية د. ليال منصور لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "معظم الدول العربية المستوردة للنفط تعتمد أنظمة سعر صرف ثابتة أو شبه ثابتة، ما يجعلها أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع أسعار الطاقة على احتياطاتها من العملات الأجنبية." وأشارت إلى أنّ: "أي زيادة مستمرة في فاتورة استيراد النفط تفرض ضغوطاً إضافية على هذه الاحتياطات، وتدفع الحكومات إلى تخصيص موارد مالية أكبر لتأمين حاجاتها من الطاقة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الموازنات العامة والاستقرار المالي."
وفي خضم هذه التطورات، برزت محاولات من تحالف أوبك+ للتخفيف من حدة الضغوط عبر زيادة الإنتاج من بعض الدول الأعضاء. إلا أن مراقبين يرون أن هذه الخطوات تبقى محدودة الفعالية طالما أن المشكلة الأساسية تتعلق بقدرة النفط على الوصول إلى الأسواق العالمية، وليس بإنتاجه فقط.
وبحسب بيانات متقاطعة بين مؤسسات متخصصة في الطاقة وتقارير دولية حديثة، فإن الزيادات المعلنة في الإنتاج لا تزال أقل بكثير من حجم الكميات التي يمررها المضيق يومياً، ما يجعل تأثيرها محدوداً على استقرار الأسعار.
وتشير معلومات خاصة حصلت عليها "الأفضل نيوز" من مصادر متابعة لاجتماعات قطاع الطاقة إلى أن العديد من الدول المستهلكة الكبرى بدأت دراسة سيناريوهات طوارئ تمتد حتى نهاية عام 2026، تحسباً لاستمرار الأزمة لفترة أطول من المتوقع.
وتتجه الأنظار بشكل خاص نحو الاقتصادات الآسيوية الكبرى، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، باعتبارها الأكثر اعتماداً على نفط الخليج. أما أوروبا، فتواجه تحدياً إضافياً يتمثل في احتمالات ارتفاع التضخم مجدداً بعد أشهر من محاولات البنوك المركزية السيطرة عليه.
وترى منصور أنّ: "عدداً كبيراً من الدول المنتجة للنفط ضمن تحالف "أوبك+" يستفيد من مستويات الأسعار المرتفعة الحالية، إذ إن سياسات خفض الإنتاج التي اعتمدها التحالف خلال السنوات الماضية ساهمت في دعم الأسعار وتعزيز الإيرادات النفطية للدول الأعضاء. وفي المقابل، تبدو الإمارات العربية المتحدة في موقع مختلف نسبياً، بعدما استثمرت بشكل مكثف في تطوير قدراتها الإنتاجية والبنية التحتية لقطاع الطاقة، ما يجعلها أكثر ميلاً إلى زيادة الإنتاج وتعويض أي تراجع محتمل في الأسعار عبر رفع حجم الصادرات."
كما أشارت إلى أنّ: "التطورات الجيوسياسية الأخيرة أعادت تسليط الضوء على أهمية تنويع مسارات تصدير النفط وعدم الاعتماد على ممرات بحرية محددة"، لافتة إلى أن التجربة الأوروبية بعد الحرب الروسية ـ الأوكرانية شكّلت نموذجاً واضحاً في البحث عن بدائل استراتيجية لمصادر الطاقة وخطوط الإمداد. ومن هذا المنطلق، فإن التوترات التي تشهدها منطقة الخليج اليوم تدفع العديد من الدول المنتجة إلى إعادة تقييم استراتيجياتها اللوجستية والاستثمار في مسارات تصدير أكثر أماناً واستقراراً، تحسباً لأي اضطرابات مستقبلية قد تؤثر في تدفق الطاقة إلى الأسواق.
وتؤكد مصادر متخصصة في قطاع الطاقة أن القدرة الإجمالية للبدائل الحالية لا تستطيع تعويض كامل الكميات المتأثرة بالأزمة، ما يجعل إعادة الاستقرار إلى الملاحة البحرية في الخليج شرطاً أساسياً لعودة الأسواق إلى طبيعتها.
أما إيران نفسها، التي استخدمت ورقة المضيق في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية، فتجد نفسها أمام تحديات اقتصادية معقدة. فمعظم صادراتها النفطية تعتمد عملياً على المسار البحري ذاته، ما يجعل أي تعطيل طويل الأمد مكلفاً لجميع الأطراف دون استثناء.
وترى أوساط مالية دولية أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تباطؤ إضافي في النمو العالمي، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الطاقة والإنتاج والنقل، في وقت تعاني فيه العديد من الاقتصادات أصلاً من مستويات دين مرتفعة وتحديات مالية متراكمة.
وتؤكد د. ليال منصور لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "أسعار النفط لا تتحرك وفق المضاربات المالية التقليدية بقدر ما ترتبط بالنمو الاقتصادي العالمي ومستويات العرض والطلب. فكلما ارتفع النشاط الصناعي في الاقتصادات الكبرى، ولا سيما الصين وأوروبا، زاد الطلب على الطاقة وارتفعت الأسعار، فيما يؤدي التباطؤ الاقتصادي أو الركود إلى تراجع الاستهلاك وانخفاض أسعار النفط."
وتشير إلى أن الاعتقاد بأن استمرار الحرب سيقود إلى ارتفاع دائم في أسعار النفط ليس دقيقاً، إذ إن الأسواق تمر بمرحلة صدمة أولية ترفع الأسعار، يليها تصحيح اقتصادي نتيجة تراجع الإنتاج والاستهلاك بفعل كلفة الطاقة المرتفعة. لذلك، ورغم إمكانية وصول الأسعار إلى مستويات مرتفعة على المدى القصير، فإنها تميل إلى الاستقرار عند مستويات أكثر توازناً على المدى الطويل مع تكيف الأسواق والاقتصادات مع المتغيرات الجديدة.
وفي المحصلة، لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد أزمة نفطية أو خلاف جيوسياسي عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام الصدمات الكبرى. فالعالم الذي بنى جزءاً كبيراً من نموه على استقرار تدفقات الطاقة يكتشف اليوم حجم هشاشته أمام نقطة جغرافية ضيقة تتحكم بمصير أسواق بمليارات الدولارات.
ومع دخول الحرب شهرها الرابع، يبقى السؤال الأهم الذي تراقبه الأسواق والحكومات والمستثمرون حول العالم: هل تنجح الجهود السياسية والدبلوماسية في إعادة الثقة إلى أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية قد تمتد آثارها لسنوات؟

