طارق ترشيشي- خاصّ الأفضل نيوز
يبدو أن النقاش الدائر في لبنان لم يعد محصوراً بمسألة وقف إطلاق النار أو بحدود التفاهمات الأمنية المطروحة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة. فالمواقف الجديدة التي صدرت عن رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، تكشف أن البلاد دخلت مرحلة سياسية جديدة عنوانها النزاع على تعريف هوية المرحلة المقبلة: هل نحن أمام مشروع لإنقاذ لبنان وإعادة بناء الدولة، أم أمام مشروع لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية تحت عنوان التسوية الإقليمية؟
الملفت في هذه المواقف أنها صدرت من مرجعيات تمثل مواقع سياسية مختلفة، لكنها عكست في الوقت نفسه وجود انقسام عميق حول طبيعة الاتفاق الذي أُعلن من واشنطن وأهدافه النهائية.
وفي رأي أوساط ديبلوماسية متابعة إن المواقف الصادرة عن الرئيسين عون وسلام تمثل تطوراً سياسياً بالغ الأهمية، لأنها للمرة الأولى منذ سنوات تضع المسؤولية السياسية عن الحرب بصورة مباشرة خارج الإطار التقليدي للنزاع اللبناني ـ الإسرائيلي. فكلا الرجلين لم يكتفيا بالدعوة إلى وقف الحرب، بل ذهبا أبعد من ذلك عندما حمّلا إيران مسؤولية استخدام لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
كلام الرئيس عون عن أن "لبنان ليس بلد الحرس الثوري" وأن مصالح لبنان لا تتطابق مع مصالح إيران، وكذلك تأكيده أن لبنان لا يمكن أن يبقى ورقة ضغط في المفاوضات الدولية، يعكس انتقال الرئاسة اللبنانية إلى موقع سياسي جديد يقوم على فكرة احتكار الدولة للقرار الاستراتيجي. في حين أن كلام سلام كان أكثر وضوحاً عندما اعتبر أن الحرب ليست حرب اللبنانيين وأن الجنوب يدفع ثمن قرارات لا يشارك في اتخاذها.
وفي الجوهر، تقول الأوساط الديبلوماسية،أن هذين الموقفين يعبران عن ولادة خطاب رسمي جديد يريد أن يجعل من مسألة حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة محور المرحلة المقبلة. لكن هذا الخطاب يواجه مشكلة أساسية. فبينما يطالب الدولة باستعادة قرارها السيادي، فإنه يصطدم بواقع أن الجنوب ما زال تحت ضغط الاعتداءات الإسرائيلية، وأن إسرائيل نفسها لم تقدم حتى الآن تصوراً واضحاً للانسحاب الكامل أو لوقف نهائي لهذه الاعتداءات. ومن هنا تنشأ المشكلة اللبنانية الكبرى: كيف يمكن للدولة أن تطالب باحتكار السلاح في ظل استمرار التهديد العسكري الإسرائيلي؟
في المقابل، جاء موقف الرئيس نبيه بري مختلفاً من حيث المنطلقات. فالرجل لم يرفض فكرة وقف إطلاق النار، بل انتقد بشدة ما اعتبره "اتفاقاً هجيناً" يفرض التزامات واضحة على حزب الله ولبنان، في حين يترك مسألة الانسحاب الإسرائيلي غامضة ومفتوحة على التفسيرات.
وتكمن أهمية موقف بري في أنه لا يصدر عن جهة معارضة للسلطة، بل عن أحد أركانها الأساسيين. وهو بذلك يوجه رسالة مزدوجة: الأولى إلى واشنطن مفادها أن أي اتفاق لا يربط انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني بانسحاب إسرائيلي متزامن لن يحظى بشرعية وطنية واسعة. والثانية إلى الداخل اللبناني بأن معالجة قضية السلاح لا يمكن أن تتم عبر مقاربة أحادية الجانب تتجاهل الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
كذلك يكشف اعتراض بري عن أن داخل الدولة نفسها توجد رؤيتان مختلفتان للمرحلة المقبلة: الأولى تعتبر أن الأولوية هي إعادة بناء سلطة الدولة، والثانية ترى أن أي معالجة داخلية يجب أن تكون متلازمة مع إنهاء أسباب الصراع الخارجي.
أما موقف جنبلاط فيحمل دلالة مختلفة تماماً. فالرجل الذي يمتلك خبرة طويلة في قراءة التحولات الإقليمية لم يركز على مسألة السلاح أو على إيران، بل حذر من الغموض الذي يلف مسار التفاوض نفسه. وعندما يتحدث حنبلاط عن خطر التحول إلى "مسار شبيه بأوسلو"، فإنما يطرح سؤالاً استراتيجياً بالغ الخطورة هو: هل نحن أمام عملية تفاوضية واضحة الأهداف والنتائج؟ أم أننا أمام عملية مفتوحة قد تستمر سنوات بلا حسم، فيما تستمر الوقائع الجديدة في التشكل على الأرض؟
وفي القراءة الجنبلاطية، تكمن الخطورة في أن يتحول الجنوب اللبناني ساحة انتظار طويلة لمفاوضات لا تنتهي، بينما يستمر الاستنزاف الديموغرافي والاقتصادي والعمراني للمنطقة.
وفي السياق تعتقد الأوساط الديبلوماسية أن المفاوضات الحالية إذا استمرت وفق المسار المطروح، فإن الجنوب سيدخل معها في مرحلة انتقالية طويلة تضعه أمام ثلاثة سيناريوهات:
ـ الأول يتمثل في نجاح الولايات المتحدة في فرض ترتيبات أمنية تدريجية تؤدي إلى تعزيز انتشار الجيش اللبناني وإبعاد القوى المسلحة عن بعض المناطق، مقابل انسحابات إسرائيلية جزئية ومتدرجة.
ـ الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في تعثر تنفيذ التفاهمات بسبب الخلاف حول أولوية الانسحاب الإسرائيلي أو حول ملف السلاح، ما يؤدي إلى استمرار التصعيد العسكري بوتيرة متفاوتة.
ـ الثالث، وهو الأخطر، أن يبقى احتمال انتقال النزاع من المستوى الإقليمي إلى المستوى الداخلي اللبناني.
وهنا تطرح الأوساط الديبلوماسية السؤال : هل يتحول ملف السلاح مصدر نزاع داخلي؟
هنا تكمن العقدة الأساسية في المشهد اللبناني. فثمة قوى لبنانية ترى أن الاتفاق المطروح من واشنطن يهدف عملياً إلى وضع الدولة اللبنانية في موقع الشريك في تنفيذ مشروع نزع سلاح المقاومة. ويخشى أصحاب هذا الرأي أن يؤدي ربط نجاح المفاوضات أو استمرار الدعم الدولي للبنان بمسألة السلاح إلى تحويل هذا الملف محور الانقسام الوطني الرئيسي خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذه القراءة، فإن الخطر لا يكمن فقط في الخلاف السياسي حول السلاح، بل في احتمال أن يُدفع الجيش اللبناني تدريجياً إلى أدوار تنفيذية تضعه في مواجهة مع بيئة المقاومة أو مع قوى مرتبطة بها.
ولكن لا توجد حتى الآن مؤشرات حتمية على حصول مثل هذا السيناريو، لكن مجرد تحوله عنصراً في النقاش السياسي يكشف حجم القلق الكامن داخل الساحة اللبنانية. فالتاريخ اللبناني يُظهر أن الاستقرار كان يتعرض للاهتزاز كلما تم التعامل مع القضايا الخلافية الكبرى بمنطق الغلبة بدلاً من التوافق.
على أن المشهد الحالي يوحي بأن لبنان يقف أمام إعادة فرز سياسي كبيرة. فرئاسة الجمهورية والحكومة تتجهان نحو تثبيت مفهوم الدولة الحصرية في القرار العسكري. فيما الرئيس وبري يتمسك بربط أي التزامات لبنانية بضمانات مقابلة من إسرائيل. أما جنبلاط فيحذر من الوقوع في فخ مفاوضات مفتوحة لا نهاية واضحة لها. أما حزب الله، فسيجد نفسه أمام ضغوط داخلية وخارجية غير مسبوقة تتعلق بدوره ومستقبله وسلاحه.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد مرحلة تفاوض مع إسرائيل، بل ستكون أيضاً مرحلة تفاوض لبناني ـ لبناني حول شكل الدولة وهوية النظام الأمني والسياسي الجديد. والسؤال الذي سيحدد مستقبل لبنان ليس فقط ما إذا كانت الحرب ستتوقف، بل ما إذا كان اللبنانيون قادرون على إنتاج تسوية وطنية داخلية تمنع انتقال النزاع من الحدود إلى الداخل. فإذا فشلت هذه التسوية، قد يتحول الاتفاق الذي يُسوّق له بوصفه مدخلاً للاستقرار إلى مصدر انقسام طويل الأمد. أما إذا نجح اللبنانيون في إدارة خلافاتهم ضمن إطار وطني جامع، فقد تتحول هذه اللحظة الصعبة فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر توازناً واستقراراً .

