ندى أندراوس -خاصّ الأفضل نيوز
لا يمكن فصل الدعوة التي وجهها قائد الجيش الباكستاني إلى قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل لزيارة إسلام آباد عن المشهد التفاوضي الإقليمي القائم حالياً بين الولايات المتحدة وإيران.
فالزيارة التي سبقتها لقاءات لهيكل مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، تعكس حصولها على غطاء سياسي كامل، وتؤشر إلى أن قائد الجيش يحمل معه إلى باكستان أكثر من ملف عسكري وأمني.
ففي الوقت الذي سيتواصل مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن، برعاية أميركية، يبدو أن إسلام آباد دخلت على خط الملف اللبناني، انطلاقا من الدور الذي تلعبه في الفترة الأخيرة كراعية للمفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، والتي لا تزال تصطدم بعقبات حالت دون تحقيق تقدم حاسم في مجمل الملفات.
ومن هنا تكتسب زيارة هيكل أهمية استثنائية، فلبنان، وإن لم يكن طرفاً مباشراً في المفاوضات الأميركية الإيرانية، يبقى أحد أبرز الملفات المتأثرة بنتائجها، سواء لجهة الوضع الأمني في الجنوب أو مستقبل الترتيبات التي يجري البحث فيها على طول الحدود مع إسرائيل.
وتشير المعطيات إلى أن المسار التفاوضي القائم في واشنطن بلغ مرحلة تتطلب البحث عن مخارج عملية للعقد الميدانية والتنفيذية، فحتى لو تم التوصل إلى تفاهمات تتحدث عن تثبيت وقف إطلاق النار، وإنشاء مناطق نموذجية، والبدء بانسحابات إسرائيلية تدريجية من بعض المناطق، فإن التنفيذ الفعلي لهذه التفاهمات يبقى مرتبطاً بقدرة الجيش اللبناني على الانتشار وإدارة المرحلة الجديدة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية محطة إسلام آباد، إذ يُنتظر أن يعرض قائد الجيش أمام المسؤولين الباكستانيين صورة مفصلة عن الواقع الميداني في الجنوب، وعن حجم التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية، سواء على مستوى العديد أو التجهيزات أو القدرات اللوجستية والتقنية المطلوبة لتنفيذ أي ترتيبات أمنية جديدة.
فالجيش اللبناني، وفق المقاربة اللبنانية الرسمية، قادر على الانتشار في المناطق التي قد تُعتمد كنموذج أولي لأي إتفاق مستقبلي، لكنه لا يستطيع تحمل أعباء إضافية أو تنفيذ مهام واسعة النطاق من دون توفير الإمكانات الضرورية والدعم المطلوب. ولذلك فإن أي حديث عن ترتيبات أمنية طويلة الأمد في الجنوب يبقى مرتبطاً بمسألة تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية وتأمين الموارد اللازمة لها.
ولأن بين لبنان وباكستان تاريخا من التعاون القائم بين الجيشين اللبناني والباكستاني، وهو تعاون شهد محطات متعددة خلال السنوات الماضية، هذا الأمر يجعل من إسلام آباد جهة قادرة على فهم احتياجات الجيش اللبناني والتعامل معها بعيداً من الحسابات السياسية الضيقة.
وعليه، تبدو زيارة العماد رودولف هيكل أبعد من مجرد زيارة بروتوكولية أو عسكرية. فهي تمثل، في جانب منها، فتح قناة موازية للمسار التفاوضي القائم، ومحاولة لإدخال الملف اللبناني إلى دائرة البحث الإقليمي من بوابة القدرات العسكرية ومتطلبات الاستقرار. وإذا كانت واشنطن تبحث عن صيغة سياسية وأمنية للمرحلة المقبلة، فإن إسلام آباد قد تتحول إلى منصة لبحث كيفية جعل هذه الصيغة قابلة للتنفيذ على الأرض اللبنانية.

