طوني خوري- النّشرة
بين المدّ والجزر، يتخبّط مركب اتفاق ترسيم الحدود البحرية الجنوبية في بحر التوقّعات، وهو يقترب حيناً من شاطئ التوقيع ويبتعد أحيانًا عنه. آخر أحوال الارصاد الدبلوماسيّة رصدت انقشاعًا في الاجواء قد تؤدّي إلى وصول المركب إلى شاطئ الامان قبل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون نهاية الشهر الحالي.
في الواقع، هناك نقطة محوريّة يدور حولها الاتفاق، وتتعلّق بخط عوّامات بحري على بعد 5 كيلومترات من رأس الناقورة، كانت وضعته القوات الإسرائيليّة في عام 2000 لتثبيت الحدود البحريّة، إلّا أنّ لبنان لم يوافق عليه في حينه وبقي على موقفه حتى الآن.
في هذا السياق، يمكن القول أن الاتفاق يشكل طوق نجاة للبنان وإسرائيل على حدّ سواء، فهو أتى في وقت حسّاس يعيشه العالم على صعيد الطاقة فرضته الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وفي ظل دعم غير مسبوق للولايات المتحدة للاسراع بانجاز الاتفاق وتخطّي العراقيل. هذا الاتفاق يستفيد منه لبنان بطبيعة الحال، وهو الذي يتخبّط بأزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، فعلى الرغم من أنّه لن يكون قادراً على استغلال استثمار ما سيصدر من نفط وغاز قبل سنوات، إلا أنّه سيكون قد دخل نادي الدول النفطية وستكون الامور أكثر إيجابية بالنسبة إليه على الصعيد السياسي والامني لأن الاهتمام الدولي به سيتعزز أكثر فأكثر كونه يتمتع بالثروة الطبيعية التي يسهل الوصول إليها أكثر من غيره من الدول، فأطماع الدول ستزداد وستتزين الشواطئ اللبنانية بشركات بحريّة من جنسيات مختلفة (أبرزها فرنسية وأميركية).
على الخطّ الاسرائيلي، سينعم الاسرائيليّون بمردود إضافي جرّاء إزالة كل ضغط أو قلق من تحركات وتهديدات حزب الله ومن خلفه إيران عن الشركات الاجنبية التي ستتولى التنقيب عن النفط والغاز. وبين هذا وذاك، كان لا بد من تخطي عقبات سياسية عديدة، إذ في لبنان يدور الصراع حول هوية المستفيد من ثمار هذا الاتفاق، فرئيس الجمهورية يرغب في ضمّ هذا الانجاز ولو في اللحظات الاخيرة للعهد، ورئيس مجلس النواب نبيه بري لا يريد أن يكون خارج الصورة بعد أن برز في الاعلام على أنّه الشخص الذي يقف خلف مسار هذا الاتفاق وأنّه كان عرابه الحقيقي. أمّا رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي فيرغب في أن يظهر على أنّه الرجل الذي يمكنه إدارة هذه "الفرصة النادرة" ليبني عليها آمالاً طويلة الأمد للبقاء في الحياة السياسية، من دون أن ننسى حزب الله الذي لم يفوّت الفرصة للقول للجميع أنّ الاتفاق لم يكن ليصبح حقيقة لولا دوره، وبالتالي فإن الاعتراف به لم يعد يقتصر على لبنان بل أصبح لاعبًا اقليميًّا على الساحة.
هذا من الجهة اللبنانية، أمّا من الجهة الاسرائيلية، فآمال السياسيين الحاليين معلّقة على إظهار أنّهم قادرون على إدخال إسرائيل في مسار الاتفاقات مع أصعب وأشرس الخصوم أي لبنان وحزب الله، من دون وجود بنيامين نتانياهو في الحكم، وأن إسرائيل لم تعد تحتاجه كي تتخذ قرارات مصيريّة بهذا الحجم. من هنا، كان لا بد من اللعب على وتر "خط العوامات" الذي يريده الاسرائيليون سلاحاً في يدهم لابرازه على أنّه المكسب الأهم في الاتفاق، فيما يشدّد لبنان على أنّ هذا الخط الذي يلعب دور طوق نجاة للمسؤولين الاسرائيليين، هو في الواقع يشكل ثقلاً كبيراً على عنق لبنان ولن يقبل به. من المتوقّع أن يبقى الغموض سيّد الموقف حتى بعد توقيع الاتفاق، على غرار الخطّ الازرق الذي كسب تأييد الامم المتحدة منذ أكثر من 20 سنة، فيما لا يزال عملياً رمادي الهويّة فهو ليس حدوداً بالمعنى الصريح للكلمة، إلّا أنّه يشكل حدودًا مفترضة نجحت في إبقاء كل طرف على جانبي الخط.

