رفيق خوري- نداء الوطن
معركة الرئاسة ليست على مسرح المجلس النيابي مهما تعددت الجلسات. لا فقط لأنها تدار عادة في الكواليس المحلية والخارجية بل أيضًا لأنها تدور هذه المرة على ما هو أكبر من الرئاسة. وحين تنتهي تعود إلى البرلمان لإعلان الختام. فما ينقصنا في نهاية العهد الحالي ليس مجرد رئيس جمهورية بل رئيس وجمهورية. وما نختلف عليه عملياً هو الرئيس والجمهوريية. والعقبات كبيرة على الطريق، فلا من المقبول أن تبدو الإنتخابات كأنها إستعراض لإختيار "ملك الجمال" الرئاسي الماروني على يد طرف واحد. ولا من المعقول تحميل لبنان المنهك المزيد من الأثقال عبر شراء الوقت للتجارب والمناورات.
ذلك أن اللعبة السياسية التي لم تعد لعبة ديمقراطية محكومة بوهمين: وهم التصرف كأن لبنان جزيرة معزولة عن العالم، حيث الكلمة الأولى والأخيرة للحسابات الداخلية. ووهم التصور أن لبنان مجرد مساحة جغرافية تلعب فوقها القوى الإقليمية والدولية وليس فيها شأن داخلي بل شؤون خارجية. المشكلة فوق الوهم الأول هي اللعب بالحسابات الداخلية فوق سطح الأزمات المتعددة العميقة من دون التركيز على حلول واقعية ومشاريع عاجلة وعملية. والمشكلة فوق الوهم الثاني هي غياب القراءات العميقة في التطورات من حولنا والإكتفاء بالرغبات.
إذ العالم بعد حرب أوكرانيا مختلف تماماً عن العالم قبل الحرب. والمتغيرات في حال سيولة سواء ربح الرئيس فلاديمير بوتين أو خسر. والرهانات مع الخسارة أوالربح سريعة ومعرضة للخطأ. فالموازين متغيّرة. وتحالفات أو عداوات القوى الإقليمية مع القوى الدولية ليست ثابتة. حتى ترسيم الحدود البحرية، والعودة إلى الإتفاق النووي، وتطورات الحرب في اليمن، وستاتيكو الأزمة في حرب سوريا، فإنها بقايا مرحلة إنتهت إستعداداً لمرحلة جديدة مختلفة في النظام أو اللانظام العالمي الذي خرقه بوتين.
والواقع أن شعار "التوجه شرقاً" صار له بُعدٌ آخر. وحال التوجه الدائم نحو الغرب أصبحت أكثر إثارة. وليس أمام اللبنانيبن، وسط العواصف التي تضرب العلاقات الإقليمية والدولية، سوى الإحتماء بالبيت اللبناني والعودة إلى البيت العربي والتمسك بالشرعية الدولية. ولا بيت من دون رئيس وجمهورية.
كثيرًا ما توقفنا أمام الشجرة التي تحجب الغابة، كما يقول المثل. وكثيراً ما ضعنا في الغابة من دون أن نرى الشجرة. والوقت حان لأن نطبق قول ميلان كونديرا عن "رؤية الشجرة والغابة معاً".

