زياد العسل _ خاص الأفضل نيوز
منطقةُ راشيا التي تحتلُّ موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، في محاذاة جبل حرمون، انفرد أهلها تاريخيًا في صناعاتٍ استثنائية ميّزت هذه المنطقة وأهلها، وجعلتها مقصدًا لكلِّ أبناء الوطن من مقيمين ومغتربين، من أولئك الذين سمعوا وقرؤوا عن هذه الصناعات فرغبوا في مشاهدة الإبداع والمواهب فيها.
صناعةُ الفضَّةِ في راشيا هي واحدةٌ من الصناعاتِ التي تميَّزَ بها أهلُ وادي التَّيم، وتعود إلى القرن السابع عشر، حيث ساد اهتمامٌ من أهلها بصناعة الفضة لكنائس حلب ودمشق، بالإضافة لصناعة الحُليّ والخلاخل والأساور وغيرها التي كانت ترصَّعُ بالفضة حينها.
وفي قراءةٍ تاريخيةٍ لأبرز عائلات راشيا الذين عُرفوا في هذه الحرفة،نذكرُ عائلات شاتيلا والراسي وأيوب، لكنّ هذه المهنة تعاني حاليًا من مزاحمة البضائع الأجنبية المستوردة، وخصوصًا التركية والصينية والسورية.
هذه الحرفةُ قديمةٌ جدًا في راشيا ومميزة، ففي لبنان كله ليس ثمةَ ما يحاذيها من ناحية التراث والإتقان. يقول عصام المقت (من كبار العاملين بها في راشيا): "بدأنا العملَ بها بعد الحرب، وقد طورت هذه المهنة، وشاركت في معارض في باريس وسردينيا في إيطاليا وفي الزبداني في سوريا، وفي معارضَ كثيرةٍ في لبنان، وكلُّ هذا تمَّ بمجهودٍ شخصيٍّ دون مساعدة من الدولة التي عملت على ضمِّ هذه الحرفة إلى نقابة خاصة".
يضيفُ المقت: "إنَّ أزمةَ تصريفِ الإنتاج هي التي تطفو فوق السطح في ظلِّ الأزماتِ الاستثنائية التي يمرُّ بها لبنان، فقبلَ الحرب كانت راشيا على سبيل المثال تنتج أكثرَ من 70 كيلو من الفضة، وذلك في بيت المحترف ،ومناطق كثيرة تبتاع البضاعة. ونحن نعمل في هذه المهنة وكأنه ليس هناك دولة أو إقبال من المستهلك اللبناني، ويعود ذلك للانهيار الكبير في العملة الوطنية، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن اللبناني".
في دولةٍ يتآكلها الإهمال وقلة المسؤولية تجاه شعبٍ وحرفٍ ومهنٍ شكّلت ذاكرةَ هذا الوطن الثقافية والوطنية والاجتماعية، يبقى أملُ العاملين في الفضّة بأن يرعى المسؤولون المباشرون هذه المهن، ليعود وهجها بعد تراجعه. فهل ثمةَ آذانٌ صاغية تقي هذه الحرفة من خطر الاضمحلال؟.

