ريما الغضبان - خاصّ الأفضل نيوز
بعدَ مرورِ أكثرَ من عامين على جائحة كورونا، حان وقت العودة إلى مقاعد الدراسة؛ لتعودَ الحياة إلى سابق عهدها. ولكن، في لبنان تختلفُ المشاهدُ دائمًا، فتختلطُ مشاعرُ التلاميذ بين الفرح والغصَّة، فتارة هم سُعداء لبدء عامٍ دراسيٍّ طبيعي، وطورًا تغلبُ عليهم مشاعرُ القلق والخوف من العودة، مع كلِّ ما تحملهُ من أعباءَ ماديةٍ ستُثقلُ كواهل الأُسر، وخصوصًا المتوسطة الحال والفقيرة.
وعلى خلاف الدول المتقدمة التي تجاوزت جائحة كورونا، لا يزال لبنان يعاني من أزمات أشدّ خطورةً من الفيروس نفسه، فمستقبل تلامذة لبنان اليوم مهددٌ بسبب الأزمة الاقتصادية التي طالت الطبقات كافة. ومع قرار وزير التربية بالعودة إلى مقاعد الدراسة لهذا العام، ورفع سعر الدولار المدرسيّ، وتقاضي نصف الرسوم بالفريش دولار باتت العودةُ إلى المؤسسات التعليمية صعبةَ المنال وتتطلبُ الكثير.
في النصف الثاني من أيلول، بدأت الجامعاتُ والمدارسُ اللبنانية تعجُ بالطلاب ،واستئنفت عمليةُ التدريس الحضوري الكامل، بعد أكثر من عامين على الصفوف الافتراضية التي فُرضت بسبب جائحة كورونا. فكيف كانت العودة؟ وهل من مؤشرات إيجابية لإكمال العام الدراسيِّ بنجاح؟.
عودةٌ مصحوبةٌ بالمخاوف!
على الرغمِ من الفرح الذي اصطحبَ العودةَ إلى أروقة الجامعات بعد غيابٍ طويل، ينتابُ التلاميذ الخوفُ من عدم القدرة على تأمين مصاريف الجامعة الباهظة. تقول ثريدة (طالبة في الجامعة اللبنانية الدولية) للأفضل نيوز: "احتاج يوميًا 50 ألف ل.ل للوصول إلى الجامعة". أما عن المصاريف الأخرى تقول آية (تلميذة في الجامعة اللبنانية الدولية): "لم يعُد بإمكاني شراء الطعام أو حتى القهوة الصباحية، فهي غالية الثمن، لذا أفضّل أن أحضر طعامي في المنزل لعلّي أخفف العبءَ عن عائلتي".
أما عن معاناة طلاب البقاع في مدينة بيروت، يقول محمد (طالب في جامعة بيروت العربية من بلدة المرج) للأفضل نيوز: "هذا العام هو أشبهُ بالمُستحيل، فإيجار الشققِ ارتفعَ بشكلٍ كبير، إذ يتراوحُ إيجارُ غرفتي نحو ال 85$ شهريًا مع فاتورة الكهرباء، كما أن أكثر من 50٪ من القسط الجامعي بالفريش دولار". ويُضيف: "كنت في السنوات الماضية أتقاسم الطعام مع أصدقائي، أما اليوم في هذه الأوضاع الصعبة، لا أستطيع مشاركةَ أحد فحتى الطعام أصبح صعبَ المنال".
وعن المناطق الأكثر غلاءً تتحدث سارة (طالبة بقاعية في جامعة بيروت الأميركية) للأفضل نيوز: "أخاف ألا أكملَ عامي الدراسي الأخير، فالمصاريف لم تعُد تُحتمل، بين إيجار نصف سريرٍ وخزانة خشبية وفاتورة كهرباء وإنترنت تبلغُ الفاتورة الشهرية شهريًا 185$. وتتابع: "أسكن في شارع "الحمرا" لقربه من الجامعة فوقعتُ عوضًا عن تكاليف المواصلات اليومية وفي الحالتين الوضع صعب".
وفيما يخُصُّ طلاب المدارس الخاصة والرسمية، يُعاني الأهل من المُشكلة عينها، فتكلفةُ المواصلات من قريةٍ إلى أخرى باتت عالية، وحتى ضمن القرية عينها. تقول هناء للأفضل نيوز (والدة أحد تلامذة مدرسة البيت المعمور): "لم يعد بإمكاني دفعَ أجرة الباص لابنتي، لذا لجأت إلى "التكتوك" كوسيلة نقل مقبولة ماديًا بحيثُ أدفع 40 ألف ل.ل كل يوم".
يعيشُ الطلاب والأهالي بدايةَ عامٍ دراسيٍّ مخيف، فعلى الرغم من أنَّ الإيجابيات كثيرةٌ للعودة فإنَّ المخاوف والتحديات غلبت بسبب الضيق المادي الذي يُعاني منه غالبيةُ الشعب اللبناني.
الأساتذةُ: عامٌ دراسي يضجُ بالحياة ولكن...
بعد أكثر من عامين على التعليم من بُعد "الأون لاين" عادوا والعود أحمدُ، تقول المُعلمة خيرية الخطيب للأفضل نيوز: "هناك تفاؤلٌ كبيرٌ هذا العام، فالحاجز الأكبر بين الطلاب والنجاح قد تبددَ والكلُّ سينجحُ بمجهوده الشخصي، دون أي تزوير، فعلى الرغم من تشددنا في العامين الماضيين لم نتمكن من ضبط الغشِّ بالشكل اللازم". وتشدد الخطيب على أنَّ المنافسة ستكون هذا العام كبيرةً بين التلاميذ، وهذا سيجعلُ من السنة الدراسية أكثر حيوية".
أما عن الصعوبات التي بدأت تواجههم هذا العام بسبب التعليم من بُعد تقول الخطيب: "إنَّ التعليمَ من بُعد أرغم الأهالي على شراء الأجهزة الذكية من أجل متابعة الدراسة، إلا أنَّ نسبةً كبيرةً منهم انخرطت كثيرًا في برامج التواصل الاجتماعي، وباتت تمضي معظم وقتها على ال "السوشيال ميديا" عوضًا عن إنهاء واجباتهم الدراسية. زادت من صعوبة التعامل معهم سلوكيًا فبات ضبطُ الصف أكثر صعوبة".
وعن لقاء التلاميذ بعد عامين تقول الخطيب: "هناك فرحةٌ كبيرةٌ بينهم، فهم الآن قادرون على مشاركة حياتهم الدراسية من قُرب، وإمضاء الأوقات الجميلة وصُنع الذكريات المدرسية التي سيحملونها حتى الكِبر".
تعليمٌ مهدد: "ناس بسمنة وناس بزيت"
بين تعليمٍ خاصٍّ ورسمي تضيعُ حقوق فئةٍ كبيرة من الطُلاب، فعلى صعيد الجامعات لم يبدأ تلاميذُ الجامعة اللبنانية عامهم الدراسيّ، على عكس الجامعات الخاصة. وفي حديثٍ صحافيّ يقول رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور بسام بدران: "هناك عامٌ دراسيٌّ مُقبل، والمطلوب من الدولة تأمين المقوّمات اللازمة للأُستاذ والموظف والتلميذ؛ من أجل عودة التعليم الحضوريِّ إلى الجامعة اللبنانية". ويؤكد بدران على أنَّ الجامعة اللبنانية هي جيشُ لبنان الثاني، وهي جامعة الوطن بكل مكوناته، والمطلوب من الدولة اليوم الوقوف إلى جانب جامعتها وأن تحتضنها، فتكلفة التعليم تبقى أقل بكثير من تكلفة الجهل فبالعلم وحده يتطور البلد".
أما في ما يخُص المدارس، تقول المسؤولة في مدرسة البيت المعمور رياج.غ للأفضل نيوز: "إنَّ مستلزمات هذا العام مؤمّنة وحتى الفيول مؤمّن كاملًا وليس هناك ما يُهدد السنة الدراسية". وعن المدارس الرسمية يقول مصدر في إحدى ثانويات البقاع الرسمية للأفضل نيوز: "لقد تأمنت مادة الفيول أيضًا في المدارس الرسمية، ونعوّلُ على الدولة، في ما يخُص رواتب الأساتذة فإن تقصير الدولة في تسديده سيهدد مصير العام الدراسي".
إذًا، حتى في التعليم هناك "ناس بسمنة وناس بزيت" ففي حين تقاوم الجامعة اللبنانية والمدارس الرسمية لإبقاء العام الدراسي على قيد الحياة، فإن الجامعات والمدارس الخاصة باتت على شاطئ النجاة، لا يهددُ عامها الدراسيَّ إلا الأوضاع الأمنية أو الصحية. أما عن القاسم المُشترك الذي يهدد القطاعين الخاص والعام فهو تدهور ميزانية الأُسر اللبنانية الذي سيحول دون إرسال التلاميذ إلى المدرسة، وبالتالي فشل العام الدراسي بكل المعايير، إلا إذا تحققت المعجزة الحُلم، وأصبح لبنان بلدًا نفطيًا بالفعل وليس بالقول، يدرُ في جيوب المواطن... إلى حينها تبقى الصورة رماديةَ اللون!.

