إسلام جحا - خاصّ الأفضل نيوز
هم أشخاصٌ فقدوا البصر أو كادوا... عاشوا التَّجربةَ في النُّور والظُّلمة، فأدركوا أنَّ النُّورَ الحقيقيَّ يشعُّ من قلوبهم قبل عيونهم، وأضاؤوا دروبَهم بالعِلم والمعرفةِ وحبِّ الحياة، وكانوا بعيونهم التي انطفأ نورُها بمثابةِ العين الثاقبة التي تنقل الحقيقةَ إلى النَّاس من غير تحريفٍ أو تبديلٍ أو زيادةٍ ولا نقصانٍ.
إعلاميُّون وصحافيُّون ومصوّرون مكفوفون من العالم العربيّ، سطّروا أروعَ النّجاحات، فكان لهم البصمة الدَّامغة، والتأثير الكبير ب"مايك" وكاميرا وعصا تقودهم لنقل المشهد كما ترتئي مهنة المتاعب ويتطلّب الواجب. وفي 15 أوكتوبر/ تشرين الأوّل من كلّ عامٍ، يصادف اليوم العالميُّ للعصا البيضاء الذي تمَّ الاحتفال به لأوَّل مرَّةٍ في أمريكا عام 1964. وتصنع العصا البيضاء من عدّة وصلاتٍ معدنيَّةٍ ليَسهُل طيُّها وحملُها من قبل المكفوفين وضعافِ البصر لتلمُّس الأسطح، واتِّقاء الحفر والسَّير على الأدراج بشكلٍ مستقلٍّ.
وفي السَّنوات الأخيرة، ظهرت بعض الأنواع من العُصيّ المزوَّدة بحسَّاساتٍ إلكترونيةٍ لتنبيه حاملها من عوائقَ ماديَّةٍ تعترض طريقه. وفي هذا الصَّدد، كان للأفضل نيوز حديثٌ مع الصِّحافيِّ حسين عرابي، المدير التَّنفيذي لمؤسَّسة SDS Egypt التي تعمل على تطوير عصا ذكيَّةٍ أقلَّ بنسبة 70% من تكلفة العصا العالميَّة، تعمل بتقنية الرُّوبوت، ومزوَّدة بحسَّاساتٍ تقي من الحفر والأسطح، ومصابيح كشّافة ملوِّنة لإيقاف السَّيارات في اللّيل، وكاميرا تنقل الصُّورة إلى شخصٍ موجِّهٍ في مكانٍ آخرَ عبر GPS.
العصا البضاء في يومها تترنَّح بين مؤيِّدٍ ومعارضٍ...
وعن واقع القبول العام لاستخدام العصا البيضاء في المجتمع اللُّبنانيِّ، رأى الإعلاميُّ في إذاعة لبنان وقناة الميادين سامي جلّول: "أنَّ عددًا كبيرًا من المكفوفين لا يستخدمون العصا البيضاء؛ بسبب الخجل من استخدامها تارةً، والخوف وعدم ثقتهم بأنَّها قادرةٌ على المساعدة في تلمُّس الطريق طورًا. كما أنَّ حصر المكفوفين في مؤسّساتٍ ومراكزَ خاصَّة تجعلهم يعتادون على جغرافيَّة المكان فيستغنون عنها، في ظلّ غياب التَّشجيع الصَّريح لهذه الفئة من المؤسَّسات نفسِها. أمّا المجتمع فلا يُمانع من استخدامها؛ لأنَّها تمنح الكفيفَ هويَّته وتعرِّف الآخر به للمساعدة".
وعن تجربة استخدامه للعصا البيضاء، قال جلّول: "كنتُ أخجل شخصيًّا من حملها، لكنَّ نقطة التَّحوُّل في حياتي كانت في المرحلة الجامعيَّة، حيث كنتُ مضطرًا لانتظار شخصٍ لمساعدتي أو انتظار التّاكسي لساعاتٍ، حتَّى اتَّخذتُ الخطوةَ لاستخدامها. ومن وحي تجربتي، أشجِّع كلَّ المكفوفين على استخدامها؛ لأنّها تمنح الكفيف استقلاليّته التي يبحث عنها".
معوَّقون لا معاقون.. والسّبب..
وعن العوائق التي تحُولُ دون استخدام العصا البيضاء في لبنان، يرجِع الإعلاميُّ اللُّبنانيُّ السَّبب إلى جهل آليَّات استخدامها الصَّحيح على الأدراج، وفي الأماكن الضَّيِّقة، ومع المُرافق وبدونه، والافتقار للبُنى التَّحتيَّة المؤهَّلة، وعدم تجهيز المؤسَّسات العامّة، إضافةً إلى غياب الثَّقافة المجتمعيَّة، وعدم قدرة بعض المكفوفين على شرائها، في ظلّ عدم تأمينها من وزارة الشُّؤون الاجتماعيَّة.
تسويقٌ خاطئٌ...
إنَّ نظرةَ الإعلام للإعاقة يشوبها غيابُ الوعي بالقضيَّة، وجهلُ مصطلحاتها الحقوقيَّة والمطلبيَّة، خصوصًا في الإعلام التَّقليديّ، وإن كانت مواقع التَّواصل قد فتحت نافذةً للإعلاميِّين والنَّاشطين والأشخاص ذوي الإعاقة لخدمة قضيَّتهم، إلَّا أنّها تبقى جهودًا قاصرةً، عزّزت التّعاطف، وخلَّقت حالةً عكسيَّةً معهم من خلال استخدام الموسيقى الحزينة في التّقارير الصّحافيّة، أو جهل كُتَّاب السّيناريو تفاصيلَ حياة الكفيف وتصويره بشكلٍ مغلوطٍ في الأعمال الدراميَّة، وهذا من شأنه ترسيخ صورةٍ نمطيَّةٍ خاطئةٍ في العقل الجمعيّ، يؤكِّد جلّول.
ولدى سؤاله عمّا إذا كان قد استطاع إيصال قضيّة الإعاقة خلال مسيرته الإعلاميَّة، أجاب جلّول: "إنَّ البرنامج الأوَّل الذي قمتُ بتقديمه في إذاعة لبنان، أضاء على مسيرة شخصيّاتٍ نجحت وأبدعت في المجالات كافّة رغم الإعاقة. وفي الميادين، قُمنا ببثِّ إعلاناتٍ توعويَّةٍ عن الأشخاص ذوي الإعاقة على مدى سنوات.
الإعلام الميدانيُّ... تحدٍّ من نوعٍ آخر!
وبين تجربته الإذاعيَّة والتّلفزيونيّة يفضّل جلّول الإذاعة، وهذا دأبُ المكفوفين عمومًا، كما يقول، إذ سيكون من الصّعب على الكفيف أن يخوضَ غمار تجربة النّقل المباشر عبر الشّاشة الصَّغيرة، ولكنّه يستطيع الإعداد لتقرير واختيار اللّقطات التي يريدها، متوجّهًا برسالةٍ إلى إدارة المؤسَّسات الإعلاميَّة لاستثمار قدرات الأشخاص ذوي الإعاقة في الكتابة، التّدقيق، التّرجمة كما في التّقديم.
العقبات التي قد تواجه الصِّحافيَّ الكفيف، يقول حيدر البصير (صحافي في BBC): "عملتُ في الإذاعة والتلفاز ومراسلًا ميدانيًا وحربيًا في العراق، وخلال مسيرتي التي بدأتها منذ العام 2004، تبدو العرقلة واحدةً في كلِّ المفاصل، وهي عدم إيمان المجتمع بقدرة الأشخاص ذوي الإعاقة في عمومهم ونخبهم، والرَّدُّ يكون برفض الإعلاميّ الكفيف تأطيرَ نفسه في "إعلام ذوي الإعاقة"؛ لأنّها سياسةٌ إعلاميَّةٌ عرجاء أُريدَ بها باطلٌ، فالمجتمع يحتاج إلى صدمةٍ إيجابيَّةٍ. أمّا المشكلة الثانية فتكمن في صعوبة التَّنقُّل دون اصطحاب فريق العمل الصّحافيِّ، وبالتَّجربة "رغم حيازتي بطاقةً صحافيّةً إلَّا أنَّهم لا يصدِّقون أنني مراسل صحافيٌّ". وتزداد الصُّعوبة من خلال محاربة الإعلاميّين المبصرين للإعلاميِّين المكفوفين، و"أتحدَّث عن تجربتي حيث أنهيَت خدمتي من إحدى الإذاعات المحليَّة بسبب تلكُّؤ بعضهم في قراءة النَّشرة الإخباريَّة وحفظي لها".
إنَّ دخولَ الكفيف إلى عالم الصّراع ومناطق الخطر كما في العراق، يتابع البصير، عقبةٌ كبرى تُقابل إمّا بالسُّخرية منه أو بالشَّفقة عليه، وخلال تغطيتي الميدانيّة تجاوزتُ الحُجب، فذهبتُ مراسلًا إذاعيًا وعدتُ مراسلًا تلفزيونيًّا.
"عسكر حراميَّة" ورحلةٌ شاقةٌ في التَّصوير..!
يتحدَّث مديرُ مكتب قناة العراقيَّة في غزَّة د.هاني صافي عن تجربة فقدان البصر في عينه اليُسرى بعد معاناةٍ طويلةٍ من انحرافٍ في العين، فيقول: "في عمر 7 سنواتٍ، كنتُ ألعب مع أقراني "عسكر حراميَّة" ، فاقتحمت قوَّاتُ الاحتلال الإسرائيليِّ المنطقة، وأثناء هروبنا دهستني سيارةٌ تابعةٌ للاحتلال؛ ما أدَّى إلى إصابتي في الرَّأس وفقداني البصر في العين اليُسرى".
يضيف: "شغفي في الإعلام بدأ يتفتَّح في صغري، حيث كنتُ أراقب المصوِّرين يوثِّقون الجرائم الإسرائيليَّة، فدفعني فضولي لتعلُّم التَّصوير والمونتاج حتّى في وقتٍ متأخّرٍ من اللّيل، فكان الأساتذة ينادونني ب"الصِّحافيِّ الحُرِّ" عندما كنتُ أصل متأخِّرًا إلى المدرسة في اليوم التّالي. وقد صقلتُ موهبتي بالدِّراسة الجامعيّة، والتّدريب المتواصل، وتصوير المناسبات، وإنتاج الأعمال الوثائقيّة التي حازت على جوائزَ عدّة أبرزها في مهرجان الجزيرة للأفلام القصيرة. ثم افتتحتُ مكتبي الخاصّ الّذي دمَّره الاحتلالُ فيما بعد، واتّجهت إلى تدريس صناعة المحتوى والمونتاج والإخراج لأستقرَّ أخيرًا في العمل مع قناة العراقيّة.
عينٌ واحدةٌ فقط تقاوم المخرز!
أما عن ثنائيَّة التّصوير والإعاقة، يشير الدكتور صافي إلى أنَّ المعاناة كانت تكمن في التَّحكُّم بالصُّورة وتجهيز الكاميرا بالاعتماد على عينٍ واحدةٍ، ولكنّني أعتبر نفسي نجحتُ في تحقيق حلمي كمصوِّرٍ بالعمل في المجال الذي أحبّ.
أمّا عن المَشاهد الأكثر تأثيرًا وقُربًا من ذاكرة هاني صافي الإنسان، فيجيب: "المَشاهد تتكرَّر في فلسطين وتتشابه، وأشدُّها وقعًا هي الانتفاضات والحرب، والاعتقالات وجنائز الشّهداء. كنتُ أتأثّر وأشعر بقشعريرةٍ في جسدي. وكنتُ أحتفظ بلقطاتٍ داميةٍ، يُمنع عرضُها بسبب الرَّقابة. في لحظةٍ تختلط المشاعر وسط كلِّ الأحداث، لكنَّ هدفنا كمصوِّرين صحافيِّين هو فضح الاحتلال ونقل صلابة الشّعب الفلسطنيِّ المقاوم..
لا أستخدم العصا البيضاء، ولكن...
يقول حيدر البصير: "لا أستخدم العصا البيضاء؛ لأنَّ المجتمع العراقيَّ ينكر على الكفيف استخدامها بالتَّنمُّر، وتحديدًا على الأنثى الكفيفة وعائلتها، ما يدفع الأب نتيجة الضَّغط المجتمعيِّ للخوف من ابنته لا عليها. ثمّ إنّ العصا البيضاء في عالمنا العربيّ أقلّ جودةً وأعلى تكلفةً من بريطانيا مثلًا حيث عشتُ، وكنتُ راضيًا عن استخدام العصا البيضاء هناك. ورغم أنَّني لا أستخدم العصا البيضاء بقرارّ شخصيٍّ، ولا أخجل من السُّقوط؛ لأنه يعبّر عمّا أنا عليه، إلا أنَّني أشجّع المكفوفين على استخدامها مع التَّدريب الصَّحيح؛ ليتمكَّنوا من الحصول على استقلاليّةٍ تامّة، وقد عملنا على التَّوعية عليها طيلة سنواتٍ مع الجهات المعنيَّة.
ويعتبر حسين عرابي أنَّ فرقًا بسيطًا يكمن بين المجتمعات العربيَّة والغربيَّة وهو أنّ فرصة الكفيف للتّحدي والمخاطرة المدروسة ممكنةٌ في الغرب، بينما تنكبّ الجهود العربيَّة على المساعدة بطريقةٍ خاطئةٍ ومتطفِّلة، وقد لمستُ ذلك من خلال عملي الإعلاميّ في الولايات المتّحدة، والحلُّ يكمن في انفتاح المكفوفين على المجتمع واستخدام تقنيات الصّوتِ والصّورة ومواكبة متطلّبات السُّوق لنشر الوعي بشكلٍ أفضل.
وأمام كلِّ ذلك، تتلخَّصُ الحلول في إعادة هيكلة الخارطة الذِّهنيَّة للمجتمع اللُّبنانيِّ والعربيّ لتقبُّل الإعاقة كمنهجٍ من مناهج الاختلاف الطبيعيّ في المجتمعات، والعمل على سدّ النَّواقص، وملء الثَّغرات التي يخلِّفها الجهلُ؛ منعًا للتَّصدُّع الجماعيّ واستثمارًا للطاقات التي أضاءت صفحات الإعلام بأبهى سيرةٍ ومسيرةٍ!.

