يحيى الإمام - خاصّ الأفضل نيوز
لا يختلفُ اثنان في لبنان، أيًّا كان انتماؤهما، على حقيقةٍ مفادها أنَّ النظامَ السياسيَّ في هذا البلد قد أضحى نظاماً بالياً وعفناً لا يصلحُ لمواكبة العصر ومواجهة تحدياته، وقبل أن يغدوَ لبنان بلداً نفطياً غنياً لا بدَّ من إصلاحِ عقولِ بنيه وإزالةِ الأفكار الهدّامة والمعتقدات المسمومة التي تُهدِّدُ وحدةَ الكيان اللبنانيِّ، وقبل أن يطلبَ المجتمع الدوليُّ ذلك.
يقول العلّامةُ الشيخ عبد الله العلايلي رحمه الله تعالى في كتابه ( أين الخطأ؟) : " ليس محافظةً ذلك التقليدُ مع الخطأ، وليس خروجاً ولا كفراً هذا الاجتهادُ الذي يحقّقُ للناس المعرفةَ والتقدم "، فإذا كنا نريد أن نبنيَ بلداً آمناً لأولادنا يفخرون بانتمائهم إليه علينا أن نتخلصَ من آفةِ الطائفيةِ أولاً وثانياً وعاشراً، لأن الطائفيةَ هي النقيضُ الطبيعيُّ للدين والوطنية والإنسانية ،وقد أثبتتِ التجاربُ ذلك في بلادنا وفي المحيط ،حتى أنَّ قوانين العشيرة كانت لتنقذ المجتمعَ من الهلاك في هذه البلاد لو اعتمدت لما فيها من قيمٍ وفضائل، حتى وإن كانت السلطاتُ التنفيذيةُ والتشريعيةُ والقضائيةُ مجتمعةً في شخصِ شيخ القبيلة الملهم.
إنَّ الدستورَ اللبنانيَّ الذي كان منذ صياغته في عصر الانتداب تقليداً لدستور الجمهورية الثانية الفرنسية آنذاك، لم يكن عقداً اجتماعياً منطلقاً من حاجاتِ المجتمع اللبنانيِّ وملبياً طموحاته وتطلعاته وأمانيه، كما أراد جان جاك روسو من نظريته، ولو تزين بتعديلات دستورية ثماني عشرةَ مرةً وفقاً لرغبة الوصايات المتناوبة على لبنان، لأن الأعرافَ الدستورية ظلت المهيمنة الأقوى ،فتكرستِ الطائفيةُ والمذهبيةُ بأبشع صورها في الحياة السياسية اللبنانية، ووجد الإقطاعُ والفسادُ ما يبررُ لهما السيادةَ والريادةَ في الدستور والقوانين والمراسيم والأعراف.
وإنَّ قانونَ الجمعياتِ الصادرَ في مجلة الأحكام التركية سنة 1912، والذي يرخّصُ للأحزاب بموجبه ووفقَ أحكامه، لكونها جمعيات ذات أهداف سياسية، لم يتِحِ الفرصةَ لإنشاء أحزاب وطنية عابرة للطوائف والمناطق ولو تعدل سنة 1992، بل بقيَ دورُ الأحزاب قاصراً وعاجزاً عن مجاراةِ العصر ومواكبة نضال الأحرار في الأرض.
ولعلَّ الآفاتِ التي تشوب نظامَنا السياسيَّ، وبالتالي نظامَنا الاقتصاديَّ والاجتماعيَّ والتربويَّ والصحيَّ كثيرةٌ جدًّا لا مجال لحصرها في بضعة أسطر، فما يسمى بالديمقراطية التوافقية إذا ما رافقها قانون انتخابات هجينٍ مُركَّبٍ لا يشبه أيَّ قانون في أيِّ مكان وعلى مرِّ الزمان ، تغدو بحدِّ ذاتها مطيةً للاستبداد والظلم والإقطاع والفساد والمحاصصة، لا بل تحميها رؤوس " المثقفين " الحامية في كلِّ دسكرة وطائفة وزاروب، وهي تدافع عن مكتسباتِ جماعتها وحقها في البقاء على حساب الوطن المصلوب والمنهوب والمذبوح من الوريد إلى الوريد، ولو كان ذلك سبباً في وقف عجلة التقدُّمِ الإنسانيِّ وهدم البناء الحضاريِّ وهجرة الشباب ونزف الأدمغة، فهل رأيتم بربّكم بلداً يباهي بهجرة أبنائه، ويعلّم التلاميذَ في مدارسه أنَّ اللبنانيين قد باتوا ينتشرون في كلِّ أصقاع الأرض ويبرزون في شتى المجالات ويرتقون إلى أعلى المناصب ؟ ثمَّ يقول عنهم :
( ما عابَهم أنهم في الأرضِ قد نُثِروا.. فالشُّهْبُ منثورةٌ مذْ كانت الشُّهُبُ) ؟؟؟ لا بل إنَّ العيبَ كلَّ العيبِ والعارَ كلَّ العارِ أن لا يحفظَ الإنسان كرامته في بلده فيضطر إلى الرحيل، لا لأن بلده فقير، بل لأن النافذين فيه لا يحبونه كما ينبغي، ولا أقصدُ بالنافذينَ أهلَ السياسة فقط.
ومن هذه المنطلقات لا بُدَّ لكلِّ وطنيٍّ لبنانيٍّ غيور أن يطلقَ صرخةً في شارعه لتحطمَ "البرواز " الفئويِّ الذي يقبع فيه :
تعالوا لكي نصيغَ من جديد عقداً اجتماعياً ينطلق من تجاربنا المريرة فلا يكرر أخطاءها، ودستوراً يحترمه الجميع ويستحق أن يسموَ فوق كلِّ القواعد القانونية الآمرة وفوق كلِّ المصالح والأهواء..
( تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم أن لا نعبدَ إلا الله ولا نشركَ به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ).

