إسلام جحا - خاصّ الأفضل نيوز
لم يكدِ العالمُ يحتوي جائحةَ كورونا حتّى دقَّت الكوليرا ناقوسَ الخطر من جديدٍ. هذه المرَّة لم تقفلِ المطاراتُ ولا الحدودُ البرِّيَّة أبوابَها بين البلدان، فسُجِّلت الحالةُ الأولى في لبنانَ من لاجئةٍ في إحدى مخيَّمات الشّمال اللُّبنانيّ كانت قادمةً من سورية، بعد أن كانت منظمةُ الصِّحَّة العالميَّة قد حذَّرت نهايةَ أيلول الماضي من مغبَّة انتشار هذه البكتيريا في مناطقِ الشَّرق الأوسط، بالتَّزامن مع تسجيل عدَّة حالاتٍ في المناطق السُّورية مثل حلب والحسكة ودير الزُّور وغيرها، وبعد إخطارٍ تقدَّمت به ٢٦ دولةً للصِّحَّة العالميَّة عن تفشّيه، يقعَ لبنانُ فريسةَ كلِّ الأزمات في وقتٍ واحدٍ.
وقُبَيل تسجيل لبنانَ لأوّل حالة وفاةٍ يوم أمسٍ في ببنين العكّاريَّة، حاولت الحكومةَُ اللُّبنانيَّة مكافحةَ الكوليرا، والاستفادةَ من تجربتها في التَّصدي لفيروس كورونا، فأطلق الوزير فراس الأبيض منذ يومين منصَّةً لهذا الغرض، مشيرًا إلى أنّه لا وقتَ لإصلاح شبكاتِ المياه والصّرف الصِّحِّي، في ظلّ عطلٍ أصاب محطّات المياه في الشّمال والبقاع، الأمر الذي يدعو للقلق؛ لأنّه يسرّع انتشار الوباء. ففي محافظة البقاع وحدها سُجِّلت حالةٌ واحدةّ في مخيَّمٍ للَّاجئين في قبّ الياس، وحالتان في مخيَّم تمنين التّحتا. أمّا اليوم فقد وصلت الحالاتُ المسجَّلة رسميًّا في زحلة إلى ١٤ حالة، شملت ٥ لبنانيّين، ٨ سوريّين، وفلسطينيًّا واحدًا.
الحلُّ الذي بدأت وزارة الصِّحَّة بتنفيذه، حسب الأبيض، هو توزيع المواد المعقِّمة للمياه، والعمل على تأمين لَقاحٍ للكوليرا من خلال النَّداء المباشر الذي وجّهته الوزارةُ أمس لمنظّمة الصِّحَّة العالميَّة للمساعدة لتأمين اللَّقاحات اللَّازمة، وتجهيز النّظام الصِّحِّيّ من الفحوصات، وعزل الحالات المصابة، وتقديم الرِّعاية الأوليَّة وتحضير المستشفيات.
في الإطار عينه، قال نقيبُ أصحاب المستشفيات الخاصّة سليمان هارون في حديث صحافي: "أرسلنا تعميمًا للمستشفيات لتأمين غُرف العزل والمضادّاتِ الحيويَّة اللازمة"، وذلك بالتّزامن مع إبداء نقيب الأطبّاء يوسف بخاش "استعداد أطبّاء الطّبِّ العامّ لمتابعة حالات الكوليرا". لعلّ هذا الإجراء يأتي عشيَّةَ رفع التَّعرفة الاستشفائيّة للمستشفيات، ما يجعل إمكان الاستشفاء شبهَ مستحيلٍ في ظلِّ الأوضاع الاقتصاديّة الرّاهنة.
أمّا بالنٍِّسبة للّاجئين السُّوريّين تعملُ المنظّماتُ الأمميّة على تأمين الاستشفاء الكامل بنسبة ١٠٠٪ لمرضى الكوليرا و٧٥٪ للحالات غير المثبتة. في السِّياق سأل موقع الأفضل نيوز طبيبةَ الصّحَّة العامَّة في مركز الإيمان هبة إدريس التي زارت المخيَّماتِ السُّوريّةَ في عرسال لمعاينة الحالات المشتبه بإصابتها بالكوليرا، فقالت: "هناك تضخيمٌ إعلاميٌّ، فالحالات التي تمّ فحصها لا تعدو كونها حالات زكامٍ ورشحٍ موسميٍّ، ولا يوجد أعراضٌ للكوليرا من إسهالٍ حادٍّ ولا تقيُّؤ ولا ارتفاع في درجات الحرارة لدى الحالات التي تمَّ الكشف عليها من قِبلنا، كما أنها لا تملك أيّة تقارير تثبتُ إصابتها بعدوى الكوليرا".
وفي حديثٍ خاصٍّ للأفضل نبوز أكد رئيسُ منطقة عرسال في الإسعاف اللُّبنانيّ، ومدير مركز الإيمان الطِّبِّيّ علي الححيري أنَّ الحالةَ المشتبه بإصابتها بالكوليرا رُصِدَت في مخيِّم الزَّعيم في عرسال، وهي لطفلةٍ تبلغ من العمر ٧ سنواتٍ لا تبدو عليها عوارض الكوليرا، حيث كانت تلعب مع رفاقها في المخيَّم. ولدى محاولة فريقنا الكشفَ على الطّفلة رفض الأهالي وطالبوا بأدوية فقط. هذا في الوقت الذي رصد مندوبو وزارة الصِّحّة اللُّبنانيَّة وشركاؤنا الصّحِّيَّون في ريليف ٧ حالاتٍ، في حين لم نُبلَّغ عن أيّة حالةٍ في مركز الإيمان من مخيّمات عرسال حتّى الآن".
وعن معالجة الحالات المؤكّدة، أشارت الدّكتورة إدريس إلى أنّ الطّواقمَ الطبِّيَّة تلقَّت توجيهاتٍ من وزير الصِّحَّة بأن يتمَّ تحويل الحالات المشتبه بأنها تحمل بكتيريا الكوليرا مباشرةً إلى طوارئ مستشفى دار الأمل في بعلبك ليُصار إلى تقديمِ العلاج اللّازم لها". وتضيف: "إنَّ
غايةَ الحملات الطّبيَّة للعيادات النَّقّالة هي تقديمُ المساعدة التَّشخيصيَّة والعلاجيَّة للفئات الأكثر حاجةً، وتخفيفًا للاكتظاظ في المراكز الطبّيَّة، الأمر الذي يخفّفُ من حدّة انتقال أيّ وباءٍ".
وردًا على سؤالٍ، نفى رئيسُ الإسعاف اللّبنانيِّ علي الحجيري أن يكون هناك استخداماتّ جماعيّةٌ أو مشتركةٌ للمراحيض داخل المخيّمات. وعن مياه الشُّرب والمياه المستخدَمة، قال: "الهلال الأحمر القطريُّ يوزِّع على المحيَّمات مياهًا مفلترةً لكلِّ خيمة. أما مياه الاستخدام اليوميّ فتستهلك من آبار العراسالة التي تُستخدَم للشّرب". المشكلة، حسب الححيري، تكمن في تسرُّب مياه الصَّرف الصِّحي إلى المياه الجوفيَّة، حيث الآبار التي يشرب منها أهالي عرسال؛ لأنّ مياه الصَّرف الصِّحِّيِّ التّابعة للمخيّمات تُفرَّغ في حفرةٍ مكشوفةٍ تقع في خراج البلدة، وهي وتؤثر سلبًا على مياه الشُّرب التابعة لبعلبك، النبي عثمان، راس بعلبك، جدَيدة الفاكهة وغيرها من المناطق".
وفي الوقت الذي لا تخفي السُّلطات الصِّحِّيَّة الرّسميّة اللّبنانيَّة تخوُّفَها من الخضروات الآتية من سورية ، يطالب المعنيُّون في القطاعات الصِّحِّيَّة رفعَ منسوب الوعي لدى النّاس تخفيفًا للاختلاط الجماعيّ، مطلقين نداءات استغاثةٍ للمنظمات والجهات الحكوميَّة لمعالجة شحِّ المياه، واختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصِّحّيّ.
عضو لجنة الصّحّة النِّيابيَّة النّائب عبد الرَّحمن البزري، رأى الحلَّ بالمباشرة بتنظيف مجاري الصّرف الصحيِّ من خلال التّعاون بين وزارتي الدّاخلية والأشغال والبلديات".
عن هذا الأمر يتحدّثُ عضو لجنة متابعة اللّبطاني ورئيس جمعيَّة SOTA بلال البيروتي للأفضل نيوز، فيقول: "اللَّجنة في برالياس وجوارها من بلدات البقاع الأوسط تعملُ على محاربة التّلوُّث في نهر اللّيطاني وروافده، لكنَّها تبقى جهودًا غيرَ كافيةٍ وتحتاج إلى تعاون الجهات الرّسميَّة الحكوميَّة والمحليَّة، لأنَّ برالياس كعرسال تفتقد إلى سُلطةٍ محليَّةٍ بعد استقالة البلديّة من هاتين البلدتين اللَّتين تحويان عشرات المخيَّمات السُّوريَّة".
أمَّا عن مصدر المياه في برالياس ومحيطها، فهي تصل من "محطة شمسين"، إلا أنّ المشكلة، بحسب البيروتي، تكمن في تسرُّب مجاري الصّرف الصِّحِّيّ إلى المياه الجوفيَّة، في ظلِّ الحفر العشوائيّ للآبار الذي لا بتطلّب رخصةً من جهة، وإفراغ صهاريج مياه الصَّرف التّابعة للمخيَّمات أحيانًا في خنادقَ تُروى منها المزروعات، من قِبل متعهّدين يعملون ضمن عقودٍ مع منظّماتِ الأمم المتَّحدة في مخيّمات برالياس البالغ عدد ساكنيها غير الرَّسميّ ما يقارب ٢٠٠ ألف لاجئ".
التخوّف من تلوّث الخضروات القادمة من سورية لا يقلّ عن التخوّف من تلوّثها قي سهول البقاع، يقول البيروتي: "إنَّ التَّلوُّث الذي يتركه الصَّرف الصّحِّيّ، في السّهل الذي يعدُّ خزّان لبنان الغذائيّ، أقلّ بكثيرٍ من المخلَّفات الكيماويَّة التي تصبُّ في اللّيطاني".
ويتابع البيروتي لموقعنا: "لقد تمّ تجميد العمل بالقانون ٦٣، وخلال السّنوات ما بين ٢٠١٩ و٢٠٢٢ لم تُرصَد أيّ موازنة لهذا الغرض، فكيف سيتمّ تعويض الفرق بين المبلغ الذي كان مرصودًا وهو ألف و٦٨ مليار ليرة، أي ما يعادل حينها ٧٠٠ مليون دولار، والمبلغ الذي أصبح مع انهيار العملة الوطنيّة يساوي ٢٨ مليون دولار فقط؟. في هذا الإطار، حاولنا التّواصل مع ممثّلٍ عن المصلحة الوطنيَّة لنهر اللّيطاني وذلك على هامش أحد اللّقاءات البيئيَّة ولم نلقَ جوابًا مقنعًا".
رغم كلّ العراقيل والصّعوبات التي حلّت بلبنان مؤخّرًا، يبقى المصير واحدًا ووحيدًا وهو ما يحتّم العمل الجماعيّ بين السلطة والشّعب لدرء مخاطر هذا الوباء الجديد؛ لأنّ القفز من المركب بات غير ممكن!.

