ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
لا، لم يعد "تيك توك" مجرد منصة لمشاهدة المقاطع الترفيهية وتمضية الوقت. فبين مقاطع الفيديو القصيرة التي تدمن عليها، قد يظهر أمامك منتج لطالما تكلمت عنه مع الأصدقاء أو العائلة، هنا تتوقف لثوانٍ تشاهد طريقة استخدامه، تقرأ التعليقات، ثم تجد نفسك على صفحات الشراء.
مبروك! هذه الرحلة القصيرة تختصر أكبر تحولاً يشهده عالم التجارة الإلكترونية. ففي السابق، كان المستهلك يعرف غالباً ما يريد: يدخل إلى متجر أو موقع إلكتروني، يبحث عن المنتج، يقارن بين الأسعار والخيارات والجودة، ثم يتخذ قراره. اليوم، بدأت المعادلة تتغير. لم يعد المستهلك هو من يبحث دائماً عن المنتج، ففي كثير من الأحيان بات المنتج هو الذي يصل إليه أولاً.
من هنا تصدر TikTok Shopساحة التجارة الإلكترونية، القائمة على دمج المحتوى والترويج والتسوق داخل تجربة واحدة. يشاهد المستخدم منتجاً في مقطع فيديو أو خلال بث مباشر، يتعرف إليه من خلال صانع محتوى أو علامة تجارية، ثم يستطيع شراءه من داخل المنصة نفسها في الأسواق التي تتوفر فيها هذه الخدمة.
وفي حزيران 2025، أعلنت شركة TikTok أن مبيعات TikTok Shopارتفعت بنسبة 120 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما تجاوز عدد الشركات المحليّة والصغيرة التي تستخدم المنصة 171 ألف شركة. ولا يبدو أن هذا النمو توقف عند تلك المرحلة. ففي بيانات نشرتها TikTok في أيار 2026، قالت إن عمليات البحث عن عبارة "small business" على المنصة ارتفعت بنسبة 479 في المئة خلال الربع الأول من العام، فيما أفادت 89 في المئة من الشركات الصغيرة والمتوسطة المشمولة في البيانات بأنها سجلت ارتفاعاً في مبيعاتها بعد الترويج لأعمالها على المنصة.
لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في أن الناس أصبحوا يشترون عبر منصة جديدة. الأهم ربما هو التغير في الطريقة التي يكتشفون بها ما يشترونه.
فعندما يدخل شخص إلى متجر إلكتروني بحثاً عن هاتف أو حقيبة أو مستحضر تجميل، تكون لديه نية مسبقة للشراء. أما على "تيك توك"، فقد يدخل من دون أي نية للتسوق. تعرض له الخوارزمية محتوى يرتبط باهتماماته وتفاعلاته وأحاديثه اليومية، وقد يكون من ضمنه منتج يلفت انتباهه. يشاهد التجربة، ينتقل إلى التعليقات، يرى آراء مستخدمين آخرين، وربما يشاهد المنتج مرة ثانية مع صانع محتوى مختلف. هنا، يمكن أن تتحول المشاهدة تدريجياً إلى اهتمام، ثم إلى رغبة في الشراء.
وهنا تدخل الخوارزمية كطرف جديد ومؤثر في السوق. فهي لا تساهم فقط في تحديد الفيديوهات التي تصل إلى المستخدم، بل أيضاً في المنتجات والعلامات التجارية التي قد يكتشفها من خلالها. وبالنسبة إلى مشروع صغير، قد يمنح انتشار مقطع واحد فرصة للوصول إلى جمهور واسع، كان الوصول إليه في السابق يتطلب ميزانية إعلانية أكبر بكثير.
في حزيران 2026 أعلنت "TikTok Shop" عقب حملة مبيعات "6.6" في عدد من أسواق جنوب شرق آسيا، أنّ: "القيمة الإجمالية للبضائع المباعة عبر المنصة خلال الحملة ارتفعت بنسبة 80 في المئة مقارنة بالعام السابق، فيما تضاعفت قيمة المبيعات الناتجة من البث المباشر، وارتفعت مشاهدات جلسات البث بنسبة 167 في المئة".
هذه النتائج تعكس تحول المحتوى نفسه إلى جزء من واجهة المتجر. فالمؤثر لم يعد بالضرورة مجرد شخص تستعين به العلامة التجارية للإعلان عن منتجها، بل أصبح في بعض الحالات جزءاً من رحلة البيع نفسها. والمستهلك بدوره لم يعد يكتفي بصورة المنتج ووصفه، بل يريد أن يراه أثناء الاستخدام، ويسمع تجربة شخص آخر، ويقرأ آراء من سبقوه إلى شرائه. لذلك أصبحت المراجعات والمقاطع القصيرة والمحتوى الذي يصنعه المستخدمون عناصر مؤثرة في رحلة اتخاذ القرار.
لكن انتشار فيديو وتحقيق آلاف أو حتى ملايين المشاهدات لا يعني تلقائياً نجاح المشروع. قد تصنع المنصة موجة طلب خلال فترة قصيرة، لكن التعامل معها يحتاج إلى بنية حقيقية: مخزون، قدرة على تنفيذ الطلبات، خدمة عملاء، وسائل دفع وشحن، وقدرة إنتاجية تسمح للمشروع بتحويل الانتشار الرقمي إلى مبيعات فعلية.
في لبنان، تبدو الصورة مختلفة فـ"TikTok Shop" بصيغته الكاملة ليس متاحاً حالياً للبائع المحلي، لكن نموذج البيع القائم على المحتوى أصبح حاضراً بوضوح في السوق. صفحات لبنانية كثيرة تعرض الملابس والإكسسوار والحلويات ومستحضرات التجميل والهدايا وغيرها عبر مقاطع قصيرة، فيما تبقى رحلة الشراء موزعة على أكثر من منصة.
قد يكتشف الزبون المنتج على "تيك توك"، ثم ينتقل إلى "إنستغرام" أو "واتساب" للسؤال عن السعر وتأكيد الطلب، قبل الدفع عند الاستلام أو عبر إحدى وسائل الدفع المتاحة. وبالنسبة إلى المشاريع الصغيرة، تفتح هذه الطريقة باباً لم يكن متاحاً بالسهولة نفسها قبل سنوات. فالمتجر التقليدي محكوم بموقعه الجغرافي، بينما يستطيع المحتوى أن يتجاوز هذه الحدود. علامة تجارية صغيرة تعرض منتجاً من بيروت قد يشاهدها مستخدم في دبي أو الرياض أو باريس أو لندن. لكن أن تصل إلى المستهلك شيء، وأن تتمكن من البيع له شيء آخر تماماً.
ومثل أي تطور أو تقدم لا يمكننا صرف النظر عن أنّ: كلما ازداد اعتماد المشروع على منصة رقمية واحدة، ازدادت علاقته بخوارزمية لا يملكها ولا يتحكم بها. قد تمنحه المنصة اليوم انتشاراً واسعاً، فيما يتراجع الوصول غداً نتيجة تغيير في آليات التوصية أو سياسات المنصة أو سلوك المستخدمين.
ومن هنا يبرز سؤال قد يكون أهم من حجم المبيعات التي صرحت عنه شركة "تيك توك" وهو: من يملك العلاقة مع المستهلك فعلياً؟ هل هي العلامة التجارية التي صنعت المنتج، أم صانع المحتوى الذي أقنعه به، أم المنصة التي قررت أن تضع هذا المنتج أمامه في اللحظة المناسبة؟

