"النهار"- غسان حجار
لا أعرف بدري ضاهر أو شفيق مرعي شخصياً، ولا واحداً من الموقوفين الـ 17 في ملف انفجار المرفأ في 4 آب 2020، ولا أدّعي أنهم أبرياء أو مدانون، لأني بذلك أستبق حكم القضاء، ورغم شكوكي في فاعلية القضاء اللبناني، وتجارب سابقة مريرة معه، إلا أن عدم توافر فرص اصلاحه جذريا، يجعل الدفاع عن المؤسسة القضائية واجباً لأن للضرورة أحكامها، والعدالة المنقوصة أفضل من غيابها كلياً، إذ لا تستقيم أمور البلاد والعباد، في كل زمان ومكان، من دون القضاء.
ما يجري في ملف المرفأ من تعطيل للتحقيق من قِبل قوى السلطة أمر مدان ومرفوض، ولكن لا غرابة فيه، فمَن بيدهم السلطة ارتكبوا كل أنواع الموبقات وأشكال الفساد والإجرام، وهم، بطبيعة الحال، لن يرضخوا للمحاسبة والإدانة والحكم، ولن يرضى أسيادهم خصوصا، لأن السبحة عندما تكرّ ستطاول معظم الرؤوس، وفي كل القطاعات السياسية، والأمنية، وأيضاً القضائية. من هنا يبرز التضامن الخفيّ بين مكونات السلطة سواء كانوا في ما يسمى معارضة او موالاة. والدليل ان اياً من الافرقاء لم يقدِم على فضح وزير سابق رغم الكلام في الصالونات عن ارتكابات كثيرة. وهنا يصدق المثل اللبناني "اللي بيتو من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة".
تنحية القاضي طارق البيطار أو تعيين رديف له أمران مرفوضان، لأنهما يشكلان عبثاً بالتحقيق، وتلاعباً بمجرياته لإبعاد الشبهات عن المرتكبين الحقيقيين، والمسؤولين الفعليين.
لكن العدالة أيضاً تقتضي عدم التلهي بموظفين مأمورين، ولو كانوا ربما فاسدين في أدائهم الوظيفي وتدور حولهم شبهات، كما في كل القطاعات، لأن المسؤولية الحقيقية لا تقع عليهم، أو على الأقل لا تقع عليهم وحدهم.
والتمسك بسجن ضاهر ومرعي وعدد من الموظفين ليس من العدالة في شيء، وإذا كان توقيفهم لأسباب سياسية انتقامية من العهد كما يسري في الأوساط المتابعة، فإن ذلك يعني انتفاء العدالة بكلّيتها، وسقوط القضاء على اعتاب السياسيين بشكل فاضح ووقح.
وتحقيق العدالة يجب ألا يقتصر على سجن موظفين، وعلى استدعاء وزيرين للأشغال والمال، بل يجب أن يشمل وزراء الدفاع والداخلية والاشغال والمال المتعاقبين، وقيادة الجيش، ومديرية المخابرات، وقادة الأجهزة الأمنية الأخرى العاملة في المرفأ، اضافة الى عدد من اداريي المرفأ من اصحاب القرار.
والأهم من كل هذا، لماذا لا يسأل المجلس الأعلى للقضاء، أولئك القضاة الذين تعاطوا في الملف؟ القضاة الذين حجزوا الباخرة، سواء علموا بحمولتها ولم يقدّروا اهمية تلك المواد عن جهل او غير جهل، أو أهملوا الموضوع الى حد يستوجب العقاب على الاهمال وقلة المسؤولية. وايضا القضاة الذين أمروا بإنزال الحمولة، وتخزينها. والقضاة الذين راسلتهم المديرية العامة للجمارك ولم يستجيبوا، أين مسؤولية هؤلاء جميعاً؟
تأثير الإعلام والرأي العام فاعل الى حد كبير، وصرخة اهالي ضحايا الانفجار مؤثّرة ايضا، لكن القضاء يجب ألا يؤخذ، انفعالا او خوفا، بالشارع، لان الاخير يتصرف بتأثير العاطفة لا العقل والمنطق. ويجب ألا يحمي نفسه متلطيا باتهام آخرين.
لقد انقضت ثلاث سنوات سجنية على الموقوفين من دون محاكمة. وفي الأمر سقوط مريع للعدالة، وإعادة النهوض بها تستوجب توفير مخرج قانوني لإطلاق هؤلاء على ذمة التحقيق، فلا يكون مظلومون في القبور، ومثلهم في السجون، فيما المرتكبون الحقيقيون يصولون ويجولون من دون أدنى محاسبة.

