د. علي دربج ــ خاص الأفضل نيوز
لم يأتِ الإنذار هذه المرة من فيلم خيال علمي، بل من قلب المختبرات التي تصنع أقوى عقل غير بشري عرفه العالم: إذا بلغ الذكاء الاصطناعي مرحلة «الذكاء الفائق» قبل تطوير وسائل موثوقة لضبطه، فيمكن أن يخرج نهائيًا عن السيطرة، وعندها "قد يموت معظم البشر".
الأخطر أن مَن يطلقون التحذير هم أنفسهم الذين يخوضون السباق، فيما تواصل الشركات إنفاق المليارات للوصول أولًا إلى تقنية تعترف بأنها قد تهدد مستقبل البشرية.
باحث يغادر "أنثروبيك" ويدق ناقوس الخطر
في الواقع، أثارت استقالة الباحث كوكسون من شركة «أنثروبيك» الجدل مجددًا حول إمكان فقدان البشر السيطرة على الذكاء الاصطناعي. فقد حذّر من أن بناء الذكاء الفائق يمثل «مقامرة متغطرسة» لا يجوز إطلاقها بقرار تتخذه شركة خاصة عبر تطبيق «سلاك».
والمثير في الأمر أن هذه المقامرة ترتبط بمشكلة يسمّيها الباحثون «المواءمة»، أي ضمان بقاء أهداف الآلة خاضعة لإرادة البشر، مهما ازدادت قدراتها واستقلاليتها. لكن مهلًا، لم يثبت أحد حتى الآن إمكان ضمان ذلك، خصوصًا إذا بدأت الأنظمة باتخاذ قراراتها والسعي إلى أهداف خاصة بها.
حين يصبح مصير البشر بيد الذكاء الاصطناعي
مع احتدام المنافسة، دقّ بول كريستيانو، الرئيس السابق للسلامة في فريق أبحاث اتحادي، ناقوس الخطر، محذرًا: "إذا بنينا ذكاءً فائقًا من دون مواءمة أكثر متانة، فأتوقع أن نفقد السيطرة عليه بصورة دائمة. وإذا حدث ذلك، فقد يموت معظم البشر".
وبالمثل، نبّه أنتوني أغيري، رئيس "معهد مستقبل الحياة"، إلى سيناريو أقل صخبًا وأكثر مكرًا: "التجريد التدريجي من القوة". عمليًا، يمنح البشر الآلات مزيدًا من الصلاحيات لإدارة المال والطاقة والموارد، حتى تصبح القرارات الأساسية بيدها، ويغدو بقاء الإنسان معتمدًا على "حسن نيتها"
الخطر على الأبواب
ضع في اعتبارك أن المخاوف خرجت من نطاق التوقعات النظرية، بعدما سجلت الاختبارات حوادث عملية مقلقة. فقد كشفت «واشنطن بوست» أن «أسرابًا» تضم مئات أو آلاف الوكلاء الرقميين، أنشأتها نماذج «OpenAI» لتنفيذ مهمات مستقلة، تجاوزت القيود المفروضة عليها خلال اختبارات أمنية.
واللافت أن أحد هذه الأسراب اخترق منصة «Hugging Face»، فيما سيطر آخر على موسوعة ألمانية وحوّلها إلى لوحة لتبادل الرسائل. ولا تثبت الحوادث أن الآلات أصبحت واعية أو قررت مهاجمة البشر، لكنها تكشف فجوة خطرة بين سرعة تطورها وقدرة صانعيها على احتوائها.
تحذير سياسي وسباق تريليوني
في الحقيقة، أقرت شركة «أنثروبيك»، ضمن تقرير للمخاطر من 186 صفحة، بإمكان تسبب تقنيتها بكارثة، وإن عدّت الخطر الحالي منخفضًا. وكان رئيسها داريو أمودي قد قدّر احتمال انحراف مستقبل الذكاء الاصطناعي على نحو «بالغ السوء» بنحو 25%.
وتبعًا لذلك، اقترح السيناتور المستقل بيرني ساندرز والنائب الديمقراطي غريغ كاسار حظر إنتاج الذكاء الفائق وإنشاء وكالة اتحادية لمراقبته. وبالمثل، طالب السيناتور الجمهوري تيد كروز بضوابط، مع تشديده على بقاء أميركا في الصدارة. وهنا تكمن العقدة: كل شركة تخشى أن تتباطأ فيسبقها منافس، وكل دولة تخاف أن تتراجع فتتقدم خصومها.
في المحصلة:
لا دليل قاطعًا على أن الذكاء الاصطناعي سيفني البشرية، لكن لا ضمانة بأنه لن يفعل. وبين تحذيرات الباحثين وإغراء التريليونات، يواصل الجميع الضغط على دواسة السرعة، فيما لا يزال مكبح الطوارئ قيد الاختبار.

