تشرين ماضي
ما فعله عفيف دياب في رواية «بيجو 504» الصادرة عن دار الفارابي في بيروت، يتجاوز استعادة زمنٍ مضى. لقد أخذنا إلى زمنٍ ما زالت جراحه مفتوحة. وأعادنا إلى حكاية شعبٍ لم تكن خسارته يوماً مجرّد حجرٍ تهدّم. أو بيتٍ هُجر. أو أرضٍ انتُزعت من أصحابها. كانت الخسارة أعمق من ذلك بكثير. كانت وجوهاً غابت. وأهلاً تفرّقوا. وذكريات بقيت معلّقة على أبواب البيوت. وأصواتاً ظلّت تسكن الأمكنة حتى بعد أن غادرها أهلها.
في براعة عفيف دياب. لا يقف التاريخ خلف الشخصيات كخلفية للأحداث. بل يدخل في تفاصيل حياتها. ويعيد تشكيل مصائرها. يجعلنا نرى كيف كانت العقيدة تسكن الإنسان. وكيف كان الإيمان بالفكرة يتجاوز حدود الانتماء. ليصبح أسلوب حياة وموقفاً من العالم.
عبدو البعثي ومريم التي تعتنق الفكر الشيوعي ليسا مجرّد شخصيتين تمثّلان تيارين سياسيين مختلفين. إنهما صورتان لجيلٍ آمن بأن للحياة معنى أكبر من المصلحة الفردية. وأن الأرض تستحق أن يُبذل من أجلها العمر والأمان والأحلام. جمعهما الحبّ. وحملت كلّ منهما رؤيتها. لكنّ الزمن الذي عاشاه وضع الجميع أمام امتحان الانتماء والتضحية. حين لم يعد ممكناً فصل الحياة الشخصية عن مصير الوطن.
وهنا تتجلّى موهبة الكاتب. فهو لا يقدّم لنا الأفكار في قوالب جاهزة. ولا يحوّل الرواية إلى درسٍ في التاريخ والسياسة. بل يجعلنا نقترب من الإنسان داخل الفكرة. من مخاوفه وتناقضاته وما يدفعه إلى التمسّك بما يؤمن به. ومن خلال انتقالاته السلسة بين الشخصيات والأحداث. نشعر أن الحكاية لا تُروى لنا من بعيد. بل تحدث أمام أعيننا. نعيش الزمن. ونمشي في طرقاته. ونقترب من وجوهه. حتى ننسى أننا قرّاء. ونصبح جزءاً من الحكاية.
لكنّ أكثر ما يوجع في هذه الرحلة هو معنى الأرض نفسها. فالأرض ليست مساحةً تُقاس بالحدود. ولا حجارةً يمكن تعويضها بحجارة أخرى. إنها الأم التي كانت تنتظر أبناءها. والبيت الذي يعرف وقع خطواتهم. وشجرة الزيتون التي شهدت طفولتهم. والنافذة التي أطلّوا منها على العالم. والطريق الذي حفظ أسرارهم. وحين يُقتلع الإنسان من أرضه، لا يخسر المكان وحده. يخسر شيئاً من تاريخه الشخصي، ومن ملامحه الأولى. ومن ذلك الشعور العميق بأن هناك مكاناً في العالم يعرفه ويخصّه.
كم من إنسانٍ عاد إلى قريته فلم يجد البيت الذي تركه. وكم من بيتٍ بقي واقفاً فيما غاب أهله، وكم من ذاكرةٍ ظلّت حيّةً في أصحابها بعدما محَت الحرب معالمها من الأرض. تلك هي الخسارة التي لا تظهر في خرائط الحروب. خسارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع معنى الحياة. وخسارة الذين كانوا يمنحون المكان روحه.
لقد جعلنا عفيف دياب نقترب من هذا الوجع. لا بوصفه حنيناً إلى ماضٍ انتهى. بل بوصفه سؤالاً ما زال مفتوحاً عن الإنسان والأرض والحقّ في البقاء. فالحروب قد تغيّر أسماء الأمكنة وملامحها. وقد تهدم البيوت وتبعثر العائلات. لكنها لا تستطيع أن تمحو بسهولة ما حفرتْه الأرض في ذاكرة أبنائها.
لهذا لم أقرأ «بيجو 504» باعتبارها حكايةً عن سنوات مضت. بل رحلةً إلى أصل الحكاية التي ما زالت مستمرة. رحلةً أعادنا فيها عفيف إلى أحلامٍ اغتيلت. وإلى إيمانٍ جعل الناس يضحّون بما يملكون. وإلى وطنٍ ظلّ يسكنهم حتى حين ضاقت بهم أرضه.

