ترجمة - الأفضل نيوز
دأبت الحكومة الأميركية على تجنيد وإعداد مغني "راب" من مختلف أنحاء العالم لخدمة مصالحها السياسية. وقد أنفقت واشنطن عشرات الملايين من الدولارات لتمويل وتدريب والترويج لفنانين يعملون على تأجيج السخط الشعبي، وتنظيم الاحتجاجات، وقيادة "الثورات الملونة" في دولٍ وضعتها واشنطن نصب عينيها.
ففي بنغلاديش والسنغال، قاد مغنو "راب" مدعومون أميركياً حركاتٍ سياسية أطاحت بحكومات قائمة. كما شكلّ عدد من الموسيقيين المدعومين من واشنطن الواجهة لمحاولة القيام بـ "ثورة مضادة" باءت بالفشل في كوبا، ومن المرجح أن تستعين بهم إدارة ترامب مجدداً. وفي عشرات الدول حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة ذاتها، يتلقى فنانون أموالاً للترويج لمصالح الحكومة الأميركية.
إنها حكاية تسخير الحكومة الأميركية لموسيقى "الهيب هوب"، التي ابتدعها الفنانون السود في نيويورك كأداة للنضال، وتحويلها إلى وسيلة لتغيير الأنظمة.
وتكشف وثيقة مسربة صادرة عن "المعهد الجمهوري الدولي"، نشرها موقع "ذا غراي زون" (The Grayzone)، أن الهدف المعلن للمنظمة كان "زعزعة استقرار الحياة السياسية في بنغلاديش". ولتحقيق هذه الغاية، أنفقت المنظمة ملايين الدولارات لتمويل طيف واسع من جماعات وشخصيات المعارضة، بما في ذلك موسيقيون من أمثال أحمد؛ إذ تشير الوثيقة إلى أن هؤلاء "ليسوا مجرد فنانين أو ناشطين فحسب، بل يعملون كعناصر هجينة لإحداث التغيير".
وتخلص الوثيقة إلى القول: "إذا أصبح الجمهور أكثر وعياً بقضايا القمع الحكومي، والتمييز، وتقلص مساحة المشاركة السياسية، فإن الشعب البنغالي سيصبح أكثر نشاطاً في الدفع نحو تغيير موازين القوى من خلال إجراء إصلاحات اجتماعية وسياسية". ونظراً لأن هذا التقرير لم يكن مُعداً ليظهر إلى العلن، فقد جاء صريحاً على نحو غير مألوف بشأن الأهداف المباشرة للحكومة الأميركية المتمثلة في "تغيير النظام"، من دون تغليفها بعبارات غامضة تتحدث عن "تعزيز الديمقراطية".
لقد خاضت الولايات المتحدة حروباً طوال 231 عاماً من تاريخها الممتد لـ250 عاماً. وتضاهي نفقاتها العسكرية مجموع إنفاق بقية دول العالم مجتمعة، كما تدير شبكة تضم قرابة 1000 قاعدة عسكرية حول العالم.
وقد أسفرت حروبها التي شنتها في أعقاب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر عن مقتل ما لا يقل عن 4.5 مليون شخص، وتشريد أكثر من 38 مليوناً آخرين. وحتى وفقاً لأكثر المقاييس تسامحاً، فإن الولايات المتحدة تقدم دعماً عسكرياً لثلاثة أرباع الأنظمة الديكتاتورية في العالم، كما نفذت نحو 500 تدخل عسكري خارجي على مدار تاريخها.
علاوة على ذلك، أطاحت الولايات المتحدة بحكومات أكثر من 50 دولة أجنبية، بما في ذلك حكومات دول شهدت بعضاً من أكثر تجارب الديمقراطية حيوية في تاريخ العالم. وتتم هذه العمليات من خلال شبكة من المؤسسات التي تخضع لتأثير وكالة الاستخبارات المركزية أو توجيهها أو تمويلها، ومن بينها "المعهد الجمهوري الدولي"، و"الصندوق الوطني للديمقراطية"، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية.
ولهذا السبب، يُعدّ تعاون أي فرد أو جهة مع هذه الوكالات أمراً غير ملائم وإشكالياً للغاية. فكثير من الموسيقيين الذين يتناولهم هذا العرض قد عرّضوا حياتهم للخطر فعلياً من خلال معارضة حكومات قمعية بكل ما للكلمة من معنى. غير أن ادعاءاتهم بالنضال من أجل العدالة تتقوض بسبب قرارهم التعامل مع منظمات تُمثّل أخطر تهديد للحرية في التاريخ الحديث.
باختصار، على الرغم من أن الكثير من مغني "الراب" قد تكون لديهم نوايا حسنة، إلا أن عدم إدراكهم لهذه الحقيقة البديهية المتعلقة بحقوق الإنسان يشير إما إلى سذاجة وجهل مطبقين (مما يجعلهم لا يستحقون الاهتمام)، إلى أنهم اختاروا طواعيةً أن يصبحوا عملاء غير رسميين للحكومة الأميركية، سعياً منهم لتعزيز هيمنة واشنطن وتوسيع نطاق سيطرتها. وفي كلتا الحالتين، ينبغي إخضاعهم لتدقيق صارم. فحتى بالنسبة للناشطين الحقيقيين في الدول شديدة الفقر والقمع، حيث يصعب الحصول على الدعم المالي أو غيره، ينبغي أن يكون التعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية أو واجهاتها أمراً مرفوضاً تماماً وغير قابل للنقاش.
نشأ فن "الهيب هوب" من رحم نضالات السود ضد الاضطهاد في أميركا. ومع ازدهاره، لاقى هذا الفن، بمضمونه ورسالته، صدىً واسعاً لدى الناس في جميع أنحاء العالم. وإدراكاً منها لهذا الواقع، حاولت الحكومة الأميركية اختطاف هذا اللون الفني وتوظيفه لخدمة غاياتها الخبيثة، على الرغم من أن تدخلها في مشهد موسيقى "الراب" ككل يظل محدوداً للغاية، خلافاً لبعض المزاعم التآمرية التي يطرحها أمثال جو روغان. ومع ذلك، فقد أثبتت واشنطن أن فناني "الراب" يمكنهم أيضاً أن يكونوا أدواتٍ لتغيير الأنظمة؛ فبينما يختار بعضهم مواجهة السلطة، يختار آخرون تمثيلها.

