لم يعد الاستياء الاجتماعي في أوروبا مجرد تذمّر متفرق، بل أخذ يظهر في الشوارع بأشكال أكثر حدّة. ففي فرنسا، تصاعدت الاضطرابات في الأيام الأخيرة إلى مستوى دفع السلطات إلى فرض حظر تجوّل في مناطق محددة، فيما سعى الرئيس إيمانويل ماكرون إلى استعادة السيطرة على وضع يزداد تعقيداً، بينما لفت عجز السلطات الفرنسية عن احتواء الاضطرابات انتباه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ما يجري في فرنسا يتخذ مساراً خاصاً. فقد بدأت الاحتجاجات على خلفية النقص في أعداد المعلمين، ثم خرجت عن إطارها الأول بعدما فقدت الشرطة السيطرة عليها، لتتداخل فيها مطالب تتصل بغلاء المعيشة والاستقطاب السياسي، إلى جانب أعمال نهب وسلوكيات إجرامية. وسرعان ما تحوّلت الاحتجاجات إلى ساحة سجال أوسع حول طبيعة المجتمع الفرنسي، ودور الهجرة والمسلمين في تماسكه الاجتماعي.
لكنّ فرنسا ليست وحدها. ففي إيطاليا وبلجيكا، اشتبك متظاهرون مع الشرطة، فيما خرجت حشود في إسبانيا والبرتغال للمطالبة بسكن ميسور الكلفة. وفي ألبانيا، تطالب حركة مناهضة للفساد باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.
وقد رصدت "نيوزويك" هذه العوامل، وأظهر تحليلها أنّ الضغوط الاجتماعية الكامنة لا تقتصر على فرنسا. فاليونان، التي لم تشهد حتى الآن اضطرابات بالحجم نفسه، تتساوى مع فرنسا في تصنيف شمل 32 دولة أوروبية. والمفاجئ أنّ الولايات المتحدة كانت ستحتل المرتبة الثالثة لو أُدرجت في المقارنة، ما يشير إلى أنّ السخط الاجتماعي لا يرتبط بارتفاع الأسعار وحده.
يجمع التحليل بين مؤشّرات اقتصادية واجتماعية وسياسية، تشمل بطالة الشباب، ونسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يتابعون تعليماً أو تدريباً، ومستوى الرضا عن الحياة، والتضخّم، وعدم المساواة، وفاعلية الحكومة. ويضيف إليها الاستقطاب السياسي، وانعدام الثقة العامّة، ومدى القدرة على تنظيم الاحتجاجات.
وبحسب هذه المؤشرات، حصلت فرنسا واليونان على 71.3 نقطة من أصل 100 لكلّ منهما، تليهما ألبانيا بـ66.4 نقطة، ثم إسبانيا بـ65.8 نقطة، وبريطانيا بـ65.1 نقطة. ومع ذلك، لا تتشابه تجارب الاستياء في كل البلدان. فألمانيا، مثلاً، لا تحتل مرتبة متقدّمة في هذا التصنيف، لكنها لم تكن بمنأى عن التظاهرات.
الرواية المألوفة
لقد أثارت الاحتجاجات التي تجتاح فرنسا تفسيرات متباينة في وسائل الإعلام الأميركية. ففي المنابر التقدمية، تُقدَّم الاضطرابات بوصفها نتيجة للتفاوت الاقتصادي وتراجع الخدمات العامة وإهمال المطالب الاجتماعية، بينما رأت قناة "فوكس" أنّ الاحتجاجات تكشف أزمة أعمق من مجرد الاستياء من أوضاع المدارس. أما مجلة "ذا نيو ريببليك"، فانتقدت محاولات ترامب ربط الاحتجاجات بالهجرة الجماعية والمسلمين، معتبرة أن هذه المزاعم تصرف الأنظار عن المطالب التي انطلقت منها الحركة الاحتجاجية.
كذلك، اتهم معلّقون محافظون وسائل الإعلام الرئيسية بتجميل احتجاجات الطلاب والتغاضي عن دور الجماعات المتطرفة. وذهبت مجلة "ناشيونال ريفيو" إلى أنّ العنف تصاعد على مدى أسابيع، وأنّ ناشطين راديكاليين أخذوا يوجّهون الاحتجاجات نحو قضايا تتجاوز مطالب التعليم.
ويكمن التباين بين الروايتين في تفسير أسباب الاضطرابات. فالتقدميون يربطونها بالتفاوت الاقتصادي وإهمال المطالب الاجتماعية، فيما يعزوها المحافظون إلى ضعف السلطة والتطرف وفشل الاندماج الاجتماعي.
وليس من الصعب فهم سبب احتلال فرنسا مرتبة متقدمة في تحليل "نيوزويك". فمعدل بطالة الشباب فيها يبلغ 18.9%، فيما تصل نسبة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، ولا يتابعون تعليماً ولا يعملون، إلى 12.6%. كما قال 55% من المشاركين في استطلاع "المخاطر العالمية" إنّ حكومتهم لا تكترث بهم إطلاقاً. وتحتل فرنسا أيضاً مرتبة متدنية بين الدول المشمولة بالدراسة في مؤشري الاستقرار السياسي والرضا عن الحياة لدى من تقل أعمارهم عن 25 عاماً.
وكانت قد بدأت موجة الاضطرابات الأخيرة بمطالب تتعلّق بتوفير مزيد من المعلمين، لكنها سرعان ما استقطبت أعداداً أكبر من الناس الذين يشغلهم ارتفاع نفقات الأسر وتراجع جودة الخدمات العامة. ففي خطابه منذ أيام قليلة، قال ماكرون: "إنّ البلاد تشعر بالغضب والعار"، وعزا أعمال العنف إلى "عناصر تمرّدية من جماعات اليسار المتطرّف، انضم إليها عدد كبير من المجرمين". وأعلن أنّ المحافظين الإداريين ورؤساء البلديات سيُمنحون صلاحيات حظر التجمّعات، مع إقراره بأنّ مئات الآلاف خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على مظالم مشروعة.
عن ذلك، قالت الأستاذة المشاركة في جامعة ماساتشوستس، فارين بارفيز، لصحيفة "نيوزويك" إنّ الاحتجاجات تتعلّق أساساً بأوضاع التعليم والتفاوت الطبقي والعنصرية وعنف الشرطة. ورأت أنّ محاولات تفسيرها بعوامل أخرى، مثل المسلمين، تصرف الانتباه عن المطالب الفعلية للمحتجين. في المقابل، قدّمت فلورنس بيرغو بلاكلير، عالمة الأنثروبولوجيا في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، تفسيراً مختلفاً، وقالت إنّ الاحتجاجات تعكس "تحالفاً إسلاموياً يسارياً"، وإنّ مطالبها غير محددة بوضوح، وتخللتها ممارسات استفزازية.
وفي إسبانيا، تتجاوز الضغوط الاقتصادية حدود المعيشة اليومية لتلقي بظلالها على المشهد السياسي.
أما في إيطاليا، حيث يبلغ معدل بطالة الشباب 20.5%، فتتعدّد مصادر الاستياء، من الأجور والمدارس إلى أسعار الطاقة وتراجع الخدمات العامة. وأفضت اشتباكات خلال احتجاجات حديثة في ميلانو إلى توقيف 271 شخصاً، وفقاً للشرطة، فيما أعلنت الحكومة إرسال مزيد من القوات إلى المدينة. كما شهدت بلجيكا أيضاً اشتباكات على هامش احتجاجات طلابية. وفي البرتغال، حيث تتجاوز بطالة الشباب 20%، أُطلقت مسيرات نقابية حاشدة، وأُقيمت اعتصامات احتجاجاً على أزمة السكن.
وقد بدأت الاحتجاجات المناهضة للفساد على خلفيّة مشروع تطوير عقاري على الساحل يرتبط بجاريد كوشنر. ويشير الاستطلاع إلى أنّ ترامب، على خلاف موقفه من الاحتجاجات الفرنسية، لم يتطرّق إلى قضية ألبانيا هذه. وقد انضم طلاب إلى التحركات، التي اتسعت لتشمل مطالبها رحيل رئيس الوزراء إيدي راما.
ولو أُدرجت الولايات المتحدة في التصنيف الأوروبي، لاحتلت المرتبة الثالثة. وهي تشهد بدورها موجات احتجاج، من بينها تظاهرات "لا ملوك"، فضلاً عن الاحتجاجات على المظالم الداخلية والاستقطاب السياسي الحاد.
بين الدول الأوروبية التي لم تشهد موجات الاحتجاج الأشد، تحتل بريطانيا المرتبة الـ5 إجمالاً، مع ارتفاع نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يتابعون تعليماً أو تدريباً إلى 14.3%. بينما تأتي رومانيا في المرتبة 6، حيث قال 80% من المشاركين في الاستطلاع هناك إنّ الحكومة لا تكترث بهم، وهي أعلى نسبة في الدراسة.
وتقع 6 دول أوروبية تشهد احتجاجات متواصلة ضمن المراتب الـ13 الأولى في تصنيف "نيوزويك". غير أنّ هذا التصنيف لا يتكهّن بموعد اندلاع الثورات. فالمعلمون في اليونان يستعدّون للنزول إلى الشوارع هذا الأسبوع، والنمسا مقبلة على قرار بشأن تمويل الجامعات بحلول نهاية الشهر، فيما يخطّط منظّمو الاحتجاجات الطلابية في ألمانيا لإضراب مدرسي جديد في الشهر المقبل. ومع ذلك، قد تمرّ أيّ من هذه التحرّكات من دون حوادث.
فالسؤال ليس ما إذا كانت أوروبا قد استنفدت أسباب الاحتجاج، وإنما أيّ مظلمة ستفجّر الاحتجاج التالي، وفي أيّ بلد، وهل ستدفع أعداداً كافية من الناس إلى الشوارع لإحداث تغيير، وهل ستتمكّن الدولة من إبقاء زمام الأمور في يدها.

