وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى احتمال كبير بألّا يتمكّن ائتلاف نتنياهو أو تكتّل المعارضة الرئيسي من حصد أغلبية برلمانية في الانتخابات، ما قد يفضي إلى برلمان بلا أغلبية واضحة، ويفتح الباب أمام مفاوضات لتشكيل ائتلاف حكومي. وإذا أخفقت هذه المساعي، فسيواصل نتنياهو، أطول رؤساء الحكومات الإسرائيلية بقاءً في المنصب، أداء مهامه رئيسًا لحكومة تصريف الأعمال إلى حين إجراء انتخابات جديدة.
وإذا قرّر آلاف الأشخاص الهجرة نتيجة الانتخابات وتداعياتها، فقد تخسر "إسرائيل" عمّالًا ذوي مهارات عالية يعملون في قطاعات حيوية تسهم في استمرار الاقتصاد، وينتمي كثير منهم إلى الأوساط الأكثر علمانية في البلاد. وقد تؤدي هذه الهجرة إلى تغيير التوازن السياسي بين من يبقون في "إسرائيل"، بما يُضعف المعارضة الداخلية بدورها.
ويرى كثير من الإسرائيليين أنّ الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهي الأولى منذ هجمات الـ 7 من تشرين الأول/أكتوبر التي قُتل فيها نحو 1200 شخص وأُخذ 251 أسيرًا، هي الأهمّ في تاريخ الدولة، فيما تواجه "إسرائيل" عزلة دولية متزايدة بسبب حربها على غزة وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية. وقد قُتل أكثر من 74 ألف فلسطيني في غزة، ودُمّر جزء كبير من القطاع منذ اندلاع الحرب.
وكان الإسرائيليون منقسمين حتى قبل هجمات "حماس" عام 2023. ففي وقت سابق من ذلك العام، اقترحت حكومة نتنياهو مشروع إصلاح قضائي كان من شأنه الحدّ من رقابة المحكمة العليا على التشريعات والسياسات. ورأى منتقدوه أنّ المشروع يهدّد استقرار الديمقراطية الإسرائيلية عبر تقويض توازن السلطات. وخرج آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع احتجاجًا عليه، ما عمّق الانقسامات داخل المجتمع. وفي نهاية المطاف، أبطلت المحكمة المشروع.
ولم تؤدّ هجمات الـ 7 من تشرين الأول/أكتوبر إلّا إلى تعميق هذه الشروخ. فقد اتّهم مسؤولون عسكريون وأمنيون إسرائيليون حاليون وسابقون نتنياهو باتّباع استراتيجيات خاطئة في التعامل مع أزمة الأسرى، فيما اتّهمت عائلاتهم الحكومة بالتقاعس. لكنّ بعض الإسرائيليين المؤيّدين للحرب دعموا ممارسة ضغط عسكري شديد على غزة، في وقت كان فيه كثير من الإسرائيليين يحتجّون بانتظام على الحرب.
ولقد خدم آلاف جنود الاحتياط في الجيش الإسرائيلي مئات الأيام في غزة ولبنان. وفي المقابل، نادرًا ما أدّى أفراد المجتمع اليهودي الحريدي، الذي يُعدّ الأسرع نموًّا بين الفئات السكانية في البلاد، الخدمة العسكرية. وفي عام 2024، قضت المحكمة العليا بأنّه لم يعد من الممكن إعفاء الرجال الحريديم من التجنيد، وأمرت الجيش بالبدء في استدعائهم. ومع ذلك، لا تزال معدّلات الخدمة العسكرية والمشاركة في سوق العمل منخفضة بينهم، ما يؤجّج استياء شرائح إسرائيلية أخرى.
وتواصل تكاليف المعيشة ارتفاعها، جزئيًّا بسبب مشكلات هيكلية لم تُعالج، من بينها التركز الشديد في الأسواق. كما أسهمت زيادة الضرائب ورسوم الخدمات العامة في رفع الأسعار، فيما فاقمت النفقات الأخرى المرتبطة بالحرب ديون البلاد. وتضرّر قطاعا السياحة والبناء في "إسرائيل" بشدّة من استمرار الصراع ونقص العمالة الناجم عن التجنيد، فضلًا عن تعليق تصاريح العمل الممنوحة للفلسطينيين من الضفة الغربية.
وقد فاقمت هذه الاتجاهات مجتمعةً الانقسامات بين التيارات القومية والدينية المؤيّدة لنتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرّف، والتيارات الليبرالية والعلمانية التي تريد إخراج هذا الائتلاف من السلطة.
يتولّى نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية منذ نحو 19 عامًا. ويتقارب حزبه، "الليكود"، في استطلاعات الرأي مع حزب "يشر"، الذي أسّسه العام الماضي غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق. وقد شكّل آيزنكوت تحالفًا مع ثلاثة أحزاب أصغر، لكن من المرجّح أن يعجز هذا التكتّل المعارض عن تحقيق أغلبية مطلقة. وبعد الانتخابات، قد يسعى إلى اتفاق مع الحزبين المعارضين اللذين يمثّلان العرب أساسًا لتشكيل حكومة أقلية، رغم أنّ فرص نجاح هذا الترتيب سياسيًّا ما تزال غير مؤكّدة.
وتحمّل أحزاب المعارضة نتنياهو مسؤولية الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجمات الـ 7 من تشرين الأول/أكتوبر، وتتّهمه بالفشل في القضاء على التهديدات التي تمثّلها "حماس" و"حزب الله" وإيران. وتتّفق هذه الأحزاب على ضرورة تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لتحديد مسؤولية القيادة الإسرائيلية عن الهجمات، كما تعهّدت بفرض التجنيد الإلزامي على الرجال "الحريديم".
ولقد غادر نحو 270 ألف إسرائيلي البلاد لمدة ثلاثة أشهر متتالية على الأقلّ بين عامَي 2023 و2025، وفقًا لدراسة أجرتها جامعة تل أبيب ونُشرت في آب/أغسطس الماضي. ويعادل ذلك نحو 90 ألف مغادر سنويًّا، أي بزيادة تقارب 50% عن المتوسّط السنوي خلال العقد السابق.
كما رصد الباحثون ارتفاعًا في الهجرة بين الأطباء وحاملي شهادات الدكتوراه والمهندسين وأصحاب المداخيل المرتفعة نسبيًّا. وخلال السنوات الثلاث الماضية، حدث ما يمكن وصفه بـ"نزوح طبي"، إذ غادر نحو 1400 طبيب الدولة لمدة تجاوزت 12 شهرًا، بزيادة بلغت 94% مقارنةً بفترة مماثلة بين عامَي 2013 و2015.
وأجرت أستاذة علم الاجتماع ليلاش ليف آري دراسة شملت إسرائيليين هاجروا بين عامَي 2023 و2025، وقالت إنّ 20% من المشاركين أفادوا بأنّهم لن يعودوا إلى "إسرائيل" أبدًا، وهي نسبة تقارب ضعف ما توصّلت إليه في دراساتها خلال السنوات السابقة. وأضافت لصحيفة "فورين بوليسي" أنّ ما يميّز هذه المجموعة هو "الاعتبارات الأمنية والحرب، وخصوصًا الوضع الاجتماعي والسياسي في الدولة".
ووفقًا لمعهد شورش، فإنّ 20% فقط من العاملين في "إسرائيل" يسهمون في 93% من إجمالي إيرادات ضريبة الدخل، فيما يعيش نصف أصحاب المداخيل في البلاد عند مستوى من الفقر يجعلهم غير ملزمين بدفع هذه الضريبة.
وقال أستاذ اقتصاديات الأعمال في جامعة تل أبيب، إيتاي أتر، إنّ "المخاطر حادّة بوجه خاص في إسرائيل، حيث تؤدي مجموعة صغيرة نسبيًّا، تضمّ بضع مئات الآلاف من ذوي المهارات العالية، دورًا يفوق حجمها بكثير في دعم الاقتصاد والمؤسسات الأساسية في الدولة".
وأضاف أنّ مغادرة جزء من هذه المجموعة قد تطلق دينامية تعزّز نفسها بنفسها، إذ قد يؤدي تزايد أعداد المغادرين إلى تدهور الآفاق الاقتصادية والخدمات الأساسية، ما يمنح آخرين حوافز أقوى للهجرة، وقد يطلق موجة أوسع نطاقًا من المغادرة.
وقد تؤدي الهجرة الجماعية لهذه الفئة، التي يغلب عليها الطابع الليبرالي والعلماني، إلى تغيير التوازن الديمغرافي والسياسي في "إسرائيل" لمصلحة التيارات القومية الدينية. ومع مرور الوقت، قد ينعكس هذا التحوّل على السياسات المتعلّقة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني والحريات المدنية وصلاحيات القضاء والعلاقة بين الدين والدولة. كما أنّ تراجع القوى التي توازن التيارات المتشدّدة قد يطلق حلقة متواصلة من الاستقطاب ومزيد من الهجرة.
وقال أغمون سنير إنّه، رغم تمتّعه بمستوى معيشة "ممتاز"، لا يستطيع تجاهل السياسة. وأضاف: "لقد غادرنا لأنّ إسرائيل أصبحت بلا أمل، وشعرنا بالحاجة إلى الابتعاد عن ذلك الشرّ". ووصف قراره بأنّه "هجرة أيديولوجية"، قال إنّها نادرة نسبيًّا مقارنةً بالمغادرة بدافع الخوف من "انهيار إسرائيل أو فقدان الامتيازات".
وبعد انتشار قصته إثر مقابلة أجرتها معه صحيفة "هآرتس"، قال إنّ عشرات الأشخاص تواصلوا معه للاستفسار عن قراره وطلب النصيحة. وسيعود هو وزوجته إلى "إسرائيل" فقط للتصويت، انطلاقًا من اعتقادهما بأنّهما ما يزالان قادرين على المساهمة في الحدّ من المظالم المحلية من الخارج.

