مع نهاية الأمسية، لم يجد دونالد ترامب سوى التعبير عن غضبه على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن الهزيمة الساحقة التي مُني بها. وكتب على موقع "تروث سوشيال": "لم أكن مرشحاً، ولو كنت كذلك، لفزنا فوزاً ساحقاً!".
تعرّض رؤساء الولايات المتحدة لهزائم قاسية في انتخابات التجديد النصفي السابقة، بدءاً من "الهزيمة الساحقة" لجورج دبليو بوش عام 2006، وصولاً إلى "الهزيمة النكراء" لباراك أوباما عام 2010.
لكنّ الإذلال الذي تعرّض له ترامب وحزبه الجمهوري عام 2026 كان من نوع خاص، إذ عكس رفضاً قاسياً، على امتداد البلاد، للرئيس وحلفائه وبرنامج ولايته الثانية.
تحوّلت الولايات والمناطق المتأرجحة التقليدية بسهولة لصالح الديمقراطيين، بينما تكبّد الجمهوريون هزائم قاسية على أرضهم، في المناطق شديدة المحافظة في الجنوب الأميركي والمناطق الريفية التي كانوا يبدون فيها بمأمن.
وأكثر من أيّ شيء آخر، يبدو أنّ قطب العقارات البالغ من العمر 80 عاماً، والذي أصبح رئيساً وهيمن على السياسة الأميركية لأكثر من عقد من الزمن، قد فقد صلته بالناخبين، إذ مُني بهزيمة أوسع وأعمق حتى من تلك التي تعرّض لها عامَي 2018 و2020.
وقال برايان لانزا، وهو مساعد سابق لترامب يعمل الآن في شركة ميركوري الاستشارية في واشنطن: "ليلة قاسية للغاية!". وأضاف: "كان من المتوقّع أن تكون انتخابات التجديد النصفي صعبة، لكنّ هذا لم يكن ما توقّعه أحد".
وقال بريندان بويل، وهو ديمقراطي من فيلادلفيا سيتولّى رئاسة لجنة الميزانية في مجلس النواب في كانون الثاني/يناير: "لم أرَ ليلة كهذه من قبل. لم يُرفض أيّ رئيس بهذا الشكل الكامل في حياتي".
كان الجمهوريون غاضبين. وكتب إريك إريكسون، المعلّق المحافظ ومقدّم البرامج الإعلامية من جورجيا، على منصة "إكس": "إنها مذبحة. سيقول الحزب الجمهوري إنّ الأمر يقتصر على إيران وأسعار البنزين. هذا صحيح، لكنّ الأمر يتجاوز ذلك بكثير".
وسرد إريكسون مجموعة من الأسباب، بدءاً من "الفساد" و"عدم الكفاءة" و"التعامل بلطف مع روسيا" و"عمليات الترحيل العدوانية المفرطة"، وصولاً إلى تجديد قاعة الرقص الباذخة في البيت الأبيض.
حاول ترامب إنقاذ حزبه من خلال مؤتمر حافل بالنجوم في دالاس بولاية تكساس في أيلول/سبتمبر، وزيارات شبه يومية، خلال الأسابيع الأخيرة، إلى المناطق الأكثر ضعفاً سياسياً في الولايات الجمهورية.
لكنّ الرئيس ربما يكون قد زاد الوضع سوءاً في نهاية المطاف، إذ فشل في التركيز على مخاوف تكلفة المعيشة التي شغلت معظم الناخبين، وانحرف إلى قضايا مثل مشاريع البناء الجديدة في واشنطن، والمظهر الجسدي وأجسام المرشحين المفضّلين لديه.
وبدا أنّ الجمهوريين الذين كانوا يجوبون البلاد في حملاتهم الانتخابية يصطدمون باستمرار بجدار من السخط الشعبي، بينما كانوا يحاولون عرض حججهم.
وقال ديف برونسون، رئيس بلدية أنكوريج السابق في ألاسكا، والذي كان مرشحاً لمنصب حاكم الولاية: "نسمع هذا الكلام منذ أسابيع. نتوجّه إلى ناخبي الحزب الجمهوري المتشدّدين، فيقولون إنهم سيصوّتون لماري بيلتولا [الديمقراطية]". وأضاف: "إنه تصويت احتجاجي".
ويبدو أنّ الرئيس وحلفاءه فقدوا إدراك الكيفية التي فازوا بها بالبيت الأبيض وسيطروا سيطرة كاملة على الكونغرس عام 2024. فقد ترشّح ترامب على أساس تعهّده بكبح التضخّم الذي عانت منه البلاد خلال فترة جو بايدن، ووعد بأسعار بنزين تبلغ دولارين للغالون، وقروض عقارية بفائدة نسبتها 3 في المئة.
لكنّ الحرب التجارية التي شنّها الرئيس الأميركي في "يوم التحرير" في نيسان/أبريل 2025 سرعان ما قوّضت تلك الأهداف، إذ أدّت إلى ارتفاع تكلفة الواردات الأميركية، وأبقت التضخّم عند مستويات مرتفعة على نحو مقلق.
وجاءت نقطة التحوّل الحقيقية عندما شنّ الرئيس الأميركي الحرب على إيران، ما أدّى إلى ارتفاع حادّ في أسعار الطاقة، وأثار غضب الناخبين الأميركيين الذين كانوا يعانون بالفعل منذ سنوات من ضغوط تكلفة المعيشة، وكانوا قد صدّقوا تعهّده بعدم بدء حروب جديدة.
وقالت أبيجيل روهريك، وهي مساعدة قانونية تبلغ من العمر 32 عاماً وتقيم في دي موين بولاية أيوا: "أشتري الأشياء نفسها بالضبط، ونأكل بالطريقة نفسها التي اعتدنا عليها. المسألة تتعلّق بالسعر فقط. وفي مرحلة معيّنة، لا يعود مهماً مقدار الميزانية التي تخصّصها".
وقال زوجها جيف روهريك، البالغ من العمر 54 عاماً، والذي يعمل في مؤسسة غير ربحية: "تزداد تكلفة المعيشة شهرياً. إلى أيّ مدى يجب أن تسوء الأمور؟ أين الحدّ الفاصل؟".
وارتفعت تكاليف الاقتراض طويل الأجل، إذ تجاوز معدّل الرهن العقاري القياسي لمدة 30 عاماً نسبة 7%. وعشية الانتخابات، تجاوز متوسط سعر البنزين في عهد ترامب المستوى الذي سجّله في عهد بايدن، ليصل إلى 3.46 دولارات للغالون.
وقال تشاد كوجل، البالغ من العمر 46 عاماً، وهو عامل مستودع في بون بولاية أيوا، بينما كان يستعد للتصويت مساء الثلاثاء: "أسعار البنزين مبالغ فيها للغاية في الوقت الحالي".
لكنْ بدلاً من الالتفات إلى مخاوف الأميركيين، رفض ترامب ومسؤولون آخرون في الإدارة هذه المخاوف، واعتبروها خدعة ديمقراطية، وزعموا أنّ الولايات المتحدة تعيش "عصراً ذهبياً" اقتصادياً.
وقال مايكل سترين، مدير دراسات السياسة الاقتصادية في معهد أمريكان إنتربرايز، وهو مركز أبحاث محافظ: "وعد الرئيس ترامب بإنهاء التضخّم في اليوم الأول من ولايته، لكنْ بدلاً من السعي إلى جعل الأسعار في متناول الجميع، شنّ الرئيس حرباً تجارية أدّت إلى ارتفاع الأسعار، ثم استخفّ بمخاوف الناخبين بشأن غلاء المعيشة".
كما تعثّر ترامب في اختياراته لمرشحي انتخابات التجديد النصفي، إذ استخدم نفوذه الواسع على السياسة الجمهورية لدعم شخصيات في الانتخابات التمهيدية للحزب كانت أكثر ولاءً له، لكنّها أقلّ قدرة على المنافسة في الانتخابات العامة.
وبذل الرئيس جهداً هائلاً لإزاحة جون كورنين، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري الحالي عن ولاية تكساس، لصالح كين باكستون، المدّعي العام المثير للجدل في الولاية، والذي انتهى به الأمر إلى خسارة المقعد.
وبعد وفاة ليندسي غراهام في ولاية كارولينا الجنوبية، دعم ترامب شقيقته دارلين، وهي سياسية مبتدئة، لتحلّ محلّه، لكنّ حملتها الانتخابية فشلت فشلاً ذريعاً، ما أدّى إلى منح مقعد مجلس الشيوخ هذا للديمقراطيين أيضاً.
كما فشلت جهود الرئيس الأميركي لتشويه سمعة المعارضة بوصفها اشتراكية تابعة لليسار المتطرف، بما في ذلك في سباق مجلس الشيوخ في ميشيغان، حيث كان المرشح الديمقراطي التقدمي عبد السيد مدرجاً على ورقة الاقتراع.
وقال تومي هاريس، وهو ناخب من ديترويت، معلّقاً على الهجمات الشرسة التي شهدتها انتخابات مجلس الشيوخ في ميشيغان: "إنها مجرد دراما، والدراما تجذب الانتباه". وأضاف متحدثاً عن السيد: "أريد أن أرى ما الذي سيفعله".
وكتب ديفيد كوشيل، وهو استراتيجي جمهوري في ولاية أيوا، على منصة "إكس" ليلة الثلاثاء: "الموجة قادمة للجميع".
وفي البيت الأبيض ليلة الثلاثاء، سعى المسؤولون إلى إظهار التحدّي، وجادلوا بأنّ النتيجة كانت ستكون أسوأ بالنسبة إلى الجمهوريين لولا ترامب.
وقال مسؤول في البيت الأبيض: "لقد قام الرئيس ترامب بعمل أفضل في الترويج للعديد من المرشحين على ورقة الاقتراع ممّا قام به المرشحون أنفسهم"، مضيفاً أنّ الناخبين الذين رفضوا الحزب سيشعرون "بالندم" عندما تنتهي الحرب الإيرانية وتنخفض الأسعار.
وأضاف المسؤول: "بغضّ النظر عن كيفية سير الأمور اليوم، فإنّ تصميم الرئيس ترامب على وقف اليسار الراديكالي سيزداد قوة. استعدّوا".
وقبل يوم الانتخابات، قامت إدارة ترامب بسلسلة من المحاولات للتأثير في انتخابات التجديد النصفي، بدءاً من تهديد مسؤولي الانتخابات بالملاحقات القضائية، وصولاً إلى رفع دعاوى قضائية تسعى إلى التدخّل في بعض السباقات الانتخابية.
لكنّ النتيجة كانت ساحقة إلى درجة أنّ ترامب لم يستطع الادّعاء بتزوير الانتخابات. وقال لصحيفة "نيويورك تايمز": "أنا على استعداد تام لقبول هذه النتائج".
وفي الواقع، كان رفض الناخبين للرئيس قاطعاً لا لبس فيه في المناطق التي كان لها تأثير حاسم يوم الثلاثاء. وقال ديفيد ريغلي، خبير البناء في بنسلفانيا، الذي دعم المرشح الديمقراطي الفائز في دائرة انتخابية متأرجحة في وادي ليهاي: "هذا رفضٌ لنهج ترامب".
وأضاف: "ترامب شخصية مكروهة. لقد كان مثيراً للانقسام للغاية، وكان هناك فساد في عهده أكثر ممّا شهدته هذه البلاد على الإطلاق".

