طوني خوري- النشرة
كان لافتاً في اليومين الماضيين، الكلام الصادر عن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع لناحية تأييده وصول قائد الجيش العماد جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية، أو على الاقل عدم معارضة هذا الخيار. هذا الامر أثار ردود فعل متفاوتة نظراً الى أهميته من جهة، وإلى تبنّي القوات ترشيح النائب ميشال معوض من جهة ثانية، وإلى العلاقة المتذبذبة التي طالما ربطت القوات والجيش اللبناني من جهة ثالثة، إضافة إلى التجربة السّيئة التي طبعت العلاقة بين جعجع والرئيس السابق ميشال عون خلال الفترة الماضية.
على الجبهة الأولى، من المهمّ الاشارة إلى أنّ الاستحقاق الرئاسي له أهميّته ولو أنّ النظام اللبناني لا يزال برلمانياً، ولكن المسألة تتعلق بالمركز الرسمي الاهم والاعلى لدى الطائفة المسيحيّة، وهو أمر أكثر من كافٍ لاعطائه أهميّة معيّنة يمكن البناء عليها بالنسبة إلى المسيحيين في لبنان بشكل خاص. ويمكن النظر إلى هذا الامر من منظار منافسة جعجع لرئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، لجهة اعتبار كل منهما نفسه ممراً إلزامياً لاختيار الرئيس بعد ان فقد كل منهما حظوظه في الوصول إلى قصر بعبدا، خصوصاً وانهما يملكان التمثيل المسيحي الاكبر، فيما رئيس تيار المردة سليمان فرنجية يعد حساباته لمعرفة حظوظه من جهة، وحزب الكتائب والاحزاب الاخرى تسعى جاهدة لزيادة تمثيلها الشعبي وبالتالي كسب نسبة أكبر من النفوذ أو إسماع صوتها إلى أصحاب الحل والربط بالمواضيع اللبنانية.
على الجبهة الثانية، بدا واضحاً أن تبني القوات ترشيح النائب معوض هو شكلي، لمعرفتها تمام المعرفة بأن خلافة معوض لميشال عون شبه مستحيلة، وشكّل النائب الشمالي ذريعة أساسية حملتها القوات للقول بأنها غير معرقلة للانتخابات، وبأنها تخلت عن بعض مطالبها وسارت بشخصية لا ترضيها، وكأنها ترغب في توجيه رسالة إلى من يعنيه الامر بأنها قابلة للمفاوضات ويمكن الوصول معها إلى خواتيم مشتركة قد ترضيها ومن يريد التفاوض معها.
على الجبهة الثالثة ليس سراً ان العلاقة لم تكن سليمة بين الجيش والقوات منذ تولي العماد ميشال عون قيادة الجيش وحتى اليوم. وبعد انتهاء الحرب، ومع طي صفحة الماضي، حاولت القوات تقديم نفسها بصورة جديدة، ونجحت بذلك في الشكل، ولكن في الواقع فإن القواتيين والجيش لا يزالان يلبسان القفازات حين يلتقيان، وتعود الذكريات السيئة اليهما عند أي مواجهة على الارض، ولعل الاشتباكات الاكثر حدة غالباً ما تكون بينهما. ولكن، من خلال هذا التأييد، قد يعطي جعجع الانطباع بأنه ينوي فتح صفحة جديدة مع الجيش علماً أن لا مشكلة تجمعه بالقائد الحالي، وعليه قد تكون فرص إقامة علاقة جديدة، قائمة.
اما في ما خص الجبهة الاخيرة، فهناك المشكلة والحسابات المعقدة. فلا شك ان العماد جوزاف عون سيضع تجربة ميشال عون أمامه في العلاقة مع جعجع، مع كل ما حملته من مساوئ وويلات نقلتها من ضفة "أوعا خيّك" إلى ضفة الاشتباك والحقد وأعادت عقارب الساعة إلى أبعد مما كانت عليه في السابق. هذه التجربة غير مشجعة بالنسبة إلى العماد عون، لأنه وعلى الرغم من كل ما يقال عن أن سبب تردي العلاقة وتدهورها مع عون الرئيس السابق، هو باسيل، فمن يمنع ظهور "باسيل" ما في العلاقة مع عون القائد الحالي للجيش؟ وهل سيتم استنساخ الخلاف في حال حصول أي تعقيد في العلاقة لأي سبب وبالأخص بنود أي تفاهم معلن أو سري بينهما؟ وفي ميزان الربح والخسارة، هل سيفيد العماد عون من ضمان عداوة باسيل والتيار الوطني الحر له إذا ما كسب القوات اللبنانية إلى جانبه، فيما هناك فرصة في تحديد "قواعد المواجهة" بينه وبين باسيل؟.
كل هذه الاسئلة تبقى رهن موافقة الخارج على العماد عون أولاً، وعلى مدى تطور الاحداث التي من شأنها تقريب قائد الجيش من قصر بعبدا في السباق على الرئاسة أكثر من غيره، والمنظار الذي سيقارب به جوزف عون العلاقة مع سمير جعجع في المرحلتين الحالية والمستقبلية.

