نقولا ناصيف- الأخبار
إلى أن يأتي أوان انتخاب رئيس جديد للجمهورية، الشغور الآن وإلى أمد غير معروف في ضيافة حكومة تصريف الاعمال، متولية ظاهراً صلاحيات رئيس الجمهورية. إلا أن ليس لها سوى أن تكتفي بالمهمة هذه، ولا تلتئم في مجلس الوزراء.
هي الصيغة المبسّطة المتوافق عليها أخيراً لضمان استقرار سياسي مقبول وانتظام ما تبقى من المؤسسات الدستورية. يعمل مجلس النواب بصلاحياته كلها، أن يلتئم في جلسات اشتراعية ويعيّن مواعيد جلسات انتخاب رئيس للجمهورية من غير أن يكتمل نصابها القانوني او تُفضّ بعد الدورة الاولى من الاقتراع. في المقابل السلطة الاجرائية المفترض أن مجلس الوزراء يمثلها تُمَارس إلى إشعار آخر بنصف صلاحياتها زائداً صلاحيات انتقلت إليها وليست لها ولا تملك أن تمارسها حتى. لا يجتمع مجلس الوزراء. إلا أن الحكومة تبقى عاملة في السرايا ومقار الوزارات.
الاصح في ذلك أن ما اتفق على أن تفعله حكومة تصريف الاعمال هو في الواقع اقل من نصف صلاحياتها. أعطت المادة 62 مجلس الوزراء وكالة صلاحيات رئيس الجمهورية كي تمارس في غيابه، ولا تنقطع الآلة الدستورية عن عملها إبان شغور المنصب. إلا أن ما حدث أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي انصاعت إلى المادة 62 شكلاً كي يقال أنّها تولت صلاحيات الرئيس من غير أن تمارسها واقعاً. بل الصائب أن لا يؤذن لها باستخدامها. المعني بممارستها ليس الحكومة ووزراؤها في مقارهم ومكاتبهم، بل مجلس الوزراء الملتئم بالنصاب المنصوص عليه في المادة 65 الذي يحدد له آليات الاجتماع واتخاذ القرارات العادية والقرارات غير العادية الموصوفة في الدستور بـ«المواضيع الاساسية» (المواضيع الـ14). ذلك ما لا يدخل في الصيغة المتوافق عليها. إلا أنه يشير إلى المنتظر من الحكومة في المرحلة التالية في الشغور:
1 - أن يسيّر الوزراء أعمال حقائبهم على نحو طبيعي من ضمن النطاق الضيق لتصريف الاعمال بغية تسهيل عمل المرافق العامة والادارات الرسمية. شرط هذا التسيير أن لا يرتب على الخزينة العامة أعباء لا يجيزها القانون ولا مفهوم تصريف الاعمال ما لم تكن هذه الاعباء مرتبطة بتسييرهما. على وزير تصريف الاعمال أيضاً أن لا يتسبب بأي عمل من شأنه تعطيل المرفق العام والادارة الرسمية. تالياً هو ملزم الواجبات الوظيفية هذه. لأن الوزراء الحاليين ينتسبون الى مرجعيات سياسية كانت وراء تعيينهم، يصبح من السهل عندئذ توقع المقايضات بين أولئك.
لأن الوزير، أي وزير، خارج مجلس الوزراء ولأنه خصوصاً خارج مراقبة مجلس النواب ومحاسبته الذي لا يسعه طرح الثقة به ولا إسقاطه - هو المستقيل في الاصل - تتحول الحقيبة إلى اقطاع مشرّع الابواب على مقايضات ليست المرة الاولى في كل حال. إلا أنّها مرشحة الآن إلى أن تكون أوسع تفلتاً وتسيّيباً.
2 - ما توافقت المراجع والمسؤولون عليه أن لا يلتئم مجلس الوزراء في السرايا، ذلك يعني أن المراسيم المفترض صدورها عن مجلس الوزراء لن تبصر النور. ما أُدْخِل في توافق الصيغة النافذة أن المجلس يجتمع استثنائياً في الظروف القاهرة.
ليس هذا التبرير سوى للقول أن لا يجتمع مجلس الوزراء أبداً تفادياً لاضطراره الى استخدام جزء من صلاحيات رئيس الجمهورية، المتفاهم على تجاهلها في الوقت الحاضر. مع أن ميقاتي متيقن من أنّ أي دعوة يوجهها إلى مجلس الوزراء للانعقاد لن تجبه مشكلة اكتمال نصاب ثلثيه، إلا أن الفريق المناوىء لالتئام المجلس، المشكك في الاصل أن ليس لحكومة تصريف الاعمال تولي صلاحيات رئيس الجمهورية، سيرمي بثقله لعرقلة هذا الانعقاد. أما ما يتجاوز هذا وذاك، فهو التعهد الاخلاقي الذي قطعه رئيس حكومة تصريف الاعمال للبطريرك الماروني ماربشارة بطرس الراعي بعدم انعقاد المجلس سوى في الظروف الاستثنائية.
في جلسات مجلس الوزراء، أن انعقد، يسهل اتخاذ القرارات عملاً بالمادة 56 التي تجعل أي مرسوم لا يوقعه رئيس الجمهورية نافذاً بانقضاء 15 يوماً على صدوره. للرئيس بحسب المادة نفسها ان يطلب من المجلس إعادة النظر فيه. إذا أصر عليه المجلس اضحى نافذاً. إلا أن عدم التوقيع يلزم نشر المرسوم فور انقضاء المهلة المعطاة لرئيس الجمهورية. لأن حكومة ميقاتي أعفت نفسها من همّ التئام مجلس الوزراء، يتضح أن لا مراسيم يؤمل صدورها عنه.
معضلة المراسيم العادية: بلا توافق مسبق لن تصدر
3 - المراسيم العادية الصادرة خارج مجلس الوزراء وحدها المرشحة، ربما، إلى افتعال أكثر من مشكلة كونها تصطدم بوجهتي نظر دستوريتين متعارضتين:
أولى تقول أن المراسيم العادية التي يوقعها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزير المختص أو الوزراء المختصون يحدث أن يمتنع رئيس الجمهورية عن توقيعها، فلا تصدر وتدفن في الادراج نظراً إلى أن لا مهل ملزمة للرئيس ليوقعها تبعاً لما تقول به المادة 54. لأن رئيس الجمهورية طليق الصلاحية في توقيعه، فإن أحجامه عنه يجمّد المرسوم إلى أمد غير معروف إلى أن تؤتى له تسوية ما لاحقاً.
أصحاب هذا الرأي يسحبون صلاحية الرئيس هذه على مجلس الوزراء كونه وكالة تسلّم صلاحياته بعد خلو منصبه، لمجلس الوزراء، كما لأي من أعضائه، واحد حتى، ممارسة الصلاحية المطلقة تلك على نحو ما كان يفعل رئيس الجمهورية. اتفاق الوزراء الـ24 الحاليين على المرسوم العادي يجعله نافذاً للفور. بيد أن اعتراض أحد ما يجمّده كون هذا الأحد جزءاً من الكل الذي يمثله مجلس الوزراء المتنقلة إليه صلاحيات رئيس الجمهورية. ما للاصيل من حقوق لا يسع الوكيل أن يحوز على أكثر منها أو اقل. عندما يُعطى الاصيل حق رفض التوقيع ليس للوكيل إلا أن يكون له أيضاً.
ثانية تقول بالنقيض تماماً. انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء لا تعني بالضرورة توزيعها على أعضاء المجلس كأن يكون الوزير الواحد قطعة من رئيس، يحوز تالياً الصلاحية الكاملة المعطاة إلى الرئيس. فحوى هذا الرأي حيال المراسيم العادية بأن يصير إلى توقيعها من الوزير المختص أو الوزراء المختصين ومن رئيس مجلس الوزراء عنه وعن رئيس الجمهورية.

