فرح منصور- المدن
في كانون الأول المقبل، يدخل الانهيار الإقتصادي عامه الرابع. وبعد سلسلة من الإحباطات المتراكمة إزاء عدم قدرتهم على تأمين قوت يومهم، قرّر أساتذة معهد الوطني العالي للموسيقى"الكونسرفتوار" كسر صمتهم، وبدأوا بالمطالبة بحقوقهم الأساسية. فقد وصلت قيمة أجر الساعة التعليمية الواحدة إلى أقل من نصف دولار أميركي.
إضراب مفتوح
سعياً لتأمين مقومات عيشهم الأساسية، قرر الأساتذة ممارسة الضغوط على الجهات المعنيّة. وأعلنوا الإضراب المفتوح منذ حوالي أسبوعين، ممتنعين عن الحضور إلى المعهد أو متابعة الحصص التعليمية من بُعد نهائياً. فقرار المواجهة أتى بعد معاناة طويلة دامت لأكثر من 3 سنوات، لاسيما أنهم طالبوا مرات عدة بتحسين قيمة أجرهم لتتناسب مع غلاء المعيشة، إلا أنهم لم يتلقوا أية أجوبة واضحة بعد.
مطالب معيشية
في التفاصيل، لم تُعدل قيمة حصصهم اليومية منذ عام 2019 بالرغم من كل التعديلات الخجولة التي طالت رواتب موظفي القطاعين العام والخاص منذ بداية الأزمة المالية. ويختلف أجر كل أستاذ تبعاً لخبرته وشهاداته، وهي ثلاث درجات: الدرجة الأولى 22500 ألف ليرة لبنانية للحصة الواحدة، في حين يصل أجر أساتذة الدرجة الثالثة إلى 13 ألف ليرة لبنانية فقط!
في حديثه لـ"المدن"، اعتبر رئيس الهيئة التعليمية في المعهد الوطني العالي للموسيقى، ادي دورليان، بأن شريحة كبيرة من الأساتذة تضررت بشكل مباشر خلال الانهيار الإقتصادي والتلاعب بسعر صرف الدولار.
وأضاف أن "معهد الموسيقى يضم حوالى 250 أستاذاً يتوزعون على مختلف فروعه على الأراضي اللبنانية، يطالبون بتحديد بدل نقل يتناسب مع الظروف الحالية، جراء ارتفاع سعر المحروقات. فبعض الأساتذة بات ينفق ما يقارب 200 ألف ليرة كبدل نقل من منزله للوصول إلى المعهد. وهذا دفع بعض الأساتذة للمطالبة بتدريس حصصهم التعليمية من بُعد. لكن تجربة التعليم من بعد لم تنجح لأسباب عدة ومنها الحاجة إلى حواسيب مخصصة تحمل برامج عالية الجودة، والحاجة إلى شبكة انترنت قوية والتغذية المستمرة بالتيار الكهربائي".
يبلغ معدل رواتب الأساتذة الشهري ثلاثة ملايين ليرة أي ما يوازي تقريباً أربعة صفائح بنزين أو أقل. وأمام هذه الرواتب يعجز الأساتذة عن تصليح آلاتهم الموسيقية. فهم بحاجة إلى تأمين مبالغ بالدولار النقدي بشكل شهري لتصليحها. ما دفعهم إلى تأجيل صيانة الآلات الموسيقية وتركها على حالها حتى إشعارٍ آخر. وهو ما يؤكد ضرورة تحسين رواتب الأساتذة، وتقديم بعض الحوافز، وتحسين بدل النقل وتغطية نفقات استشفائهم كاملة.
غرفٌ مظلمة..
ووفق دورليان، حال الأساتذة الصعب دفع العديد منهم إلى إيجاد فرص عمل أخرى بعيدة جداً عن اختصاصهم في تعليم الموسيقى، أو العمل بتدريس ساعات خصوصية خلال ساعات النهار. فحصة التعليم الخصوصي تصل إلى 20 دولاراً. وهناك قسم آخر من الأساتذة هاجر بهدف الحصول على رواتب بالدولار الأميركي، وآخرون استقالوا أو انضموا إلى المدارس الخاصة لتعليم الموسيقى، حيث يصل أجر الساعة إلى عشرة دولارات.
وإضافة إلى أوضاع الأساتذة، لا يخفي دورليان بأن مباني المعهد تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي بحاجة إلى صيانة فورية. فالمياه مقطوعة بشكل نهائي، ويسيطر الظلام على صفوف الطلبة بسبب عدم امدادها بمادة المازوت. ما أجبر الأساتذة على إضاءة هواتفهم المحمولة والشموع خلال حصصهم التعليمية.
أزمة معهد الموسيقى اليوم مستفحلة، وضحاياها المباشرين هم الأساتذة والطلاب. لكن انهياره سيؤدي إلى تشرد 5600 طالب من مختلف المناطق اللبنانية، والتخلي عن 250 أستاذاً، من دون أن ننسى أنها تطفئ شمعة اضافية من ألق البلد. أوليست الموسيقى هي التي "تعطي روحاً للكون وأجنحة للعقل، طيراناً للمخيلة وحياة لكل شيء"، على ما قال أفلاطون.

