يولا هاشم- المركزيّة
مع اقتراب شهر الأعياد، يحاول لبنان لململة جراحه ولفلفة أزماته لاستقبال اللبنانيين المغتربين الذين يتوافدون بأعداد كبيرة لتمضية عطلتهم بين أهلهم وأصدقائهم وفي ربوع وطنهم بأبهى حلّة. فالاستعدادات اللوجستية والأمنية على قدم وساق لتمرير الأعياد بهدوء واطمئنان. لكن خلف هذه الصورة الجميلة وطن ينوء بأوجاعه، تعب من تعنت مسؤوليه وعدم قدرتهم على إنجاز الاستحقاقات الدستورية وأهمّها انتخاب رئيس للجمهورية. فهل هذا يعني أنّ الامور جُمِّدت إلى ما بعد الأعياد؟ وهل يمكن ترحيل الأزمات إلى العام الجديد؟
المحلل السياسي والعسكري العميد جوني خلف يؤكد لـ"المركزية" أن "الحلول في الوقت الحالي مقفلة، نتيجة عدم الثقة بين القوى السياسية والسلطة الحاكمة، وهذا الأمر يتكرر مع كل مرحلة انتخابية، حيث يسيطر النفور والخلاف فيما بينهم، ما أدّى في معظم الانتخابات إلى الاتفاق حول موقع الرئاسة وهذا الأمر غير صحي، لأن النائب في البرلمان في هذه الحالة، لا يمارس دوره الدستوري والقانوني. عندما يحصل اتفاق حول اسم رئيس الجمهورية، هذا معناه أنّنا لم نعد بحاجة إلى نواب يدلون بأصواتهم، بل نصبح أمام تسوية. فأين دور البرلمان اليوم في حرية الانتخاب أو بتطبيق بنود الدستور؟ هذا يعني وجود ثغرة ما تؤدي في كل مرة إلى جدل دستوري لا نهاية له. وأكبر دليل، الجدل الذي شهدناه في الجلسات الست لانتخاب الرئيس، والمواقف حول تفسير الدستور. وتحوّلت معها الجلسات إلى مسرحية هزلية، غير مسموحة وتدل على استخفاف بالمركز الاول في الدولة اللبنانية"، مشيرًا إلى أنّ "الجلسات فولكلورية لا تؤدي إلى نتيجة، لأن لا أحد يملك الاكثرية النيابية أو يفتش اساسًا عليها، بل عندما يشعرون بأن الأكثرية ستتأمن في الدورة الثانية، يعطّلون الجلسة ويغادر النواب المعترضون على الاسم المطروح، لأنهم لا يريدون رئيسًا توافقيًّا يطرح عناوين سيادة لبنان واستقلاله وتوحيد السلاح ويعطي نفحة إيجابية للوضع ويعالج القضايا المالية والاقتصادية التي هي حاجة ماسة للبنانيين".
ويضيف: "لبنان يتجه نحو مفترق خطير جدًّا، ستكون انعكاساته على الوضع العام والأمني خاصة. ففي ظل الشغور، أكان على صعيد رئاسة الجمهورية أو حكومة تصريف الأعمال التي لا يمكنها اتّخاذ قرارات، أو حتى المجلس الأعلى للدفاع الذي لا يمكنه أن يلتئم إلا برئاسة رئيس الجمهورية، لا يمكن اتخاذ قرارات أمنية أو مصيرية في حال حصول أي مستجد،. فالمجلس الاعلى للدفاع هو من يضع الخطة الامنية وكيفية تطبيقها في حال حصول أي حادث أمني، وهو في الوقت الحالي مُغيَّب. وبالتالي، لبنان اليوم أرض خصبة، ممكن أن يواجه في أي وقت أي عمل تخريبي. وهنا نؤكد أنّ الجيش يسهر على الأمن، ونحن مرتاحون للوضع، لكن هذا لا يعني أن ننام ملء جفوننا، لأن عندما يواجه أي بلد في العالم أزمة سياسية، تصبح الهزات الأمنية واردة في أي لحظة ويُستغَل هذا الظرف، حيث لا يُمكن اتّخاذ القرارات، فتستفيق الخلايا النائمة للقيام بخضات أمنية. وقد ضبط الجيش أكثر من خلية في الفترة الأخيرة واستطاع أن يفكّكها ويوقف عناصرها، ومستمر في عمله هذا لمنع أي خلل محتمل في ظل هذا الفراغ".
ويُضيف: "لبنان مقبل على فترة أعياد، ومن المتوقع وصول أعداد كبيرة من المغتربين، وهذا الأمر سيحرك العجلة الاقتصادية ويسمح بدخول الفريش دولار، وهذا أمر جيّد، لكنّه في المقابل يحتاج إلى جهوزية أمنية كبيرة لمواكبته. وأعتقد أنّه لن يتمَّ انتخاب رئيس للجمهورية إلى ما بعد الأعياد، كل الأمور جُمّدت كي يعيّد المواطنون بخير.
وأرفق: "بعد الأعياد سيحصل غالبًا اتفاق معيّن أو خارطة طريق للوصول إلى رئاسة الجمهورية. ولن تكون فترة ما بعد الأعياد طويلة، لأنَّ كلَّ فريق اليوم يضع ما في جُعبته من معطيات وتحاليل ودراسات ليرى كيف سيتم انتخاب رئيس للجمهورية بأقل خسائر على لبنان".
وتوجّه خلف إلى التغييريين معتبرًا "أنّهم فقدوا الثقة تجاه ناخبيهم الذين كانوا يتمنون عليهم أن يكونوا كتلة واحدة متراصة خاصة في الاستحاقاقات الدستورية الكبيرة، ولكن خيبوا ظن ناخبيهم أكان على صعيد آدائهم في المجلس أو اجتماعاتهم بين بعضهم البعض. يطلقون على أنفسهم إسم تغييريين في حين أصبحوا بحاجة إلى تغيير. الناس أمّنت لهم وأعطتهم صوتها في أقسى الظروف والضغوط وتمكنت من إيصال 13 نائبًا والذي لم يكن بالأمر السهل ما بعد الثورة، لكن تبيّن أنّهم يسعون وراء المراكز، وتأقلموا مع الأجواء السائدة وأصبحوا عددًا تمامًا كالآخرين".
ويتابع: " يجب أن يستدركوا الأمور ويعرفوا أنَّ 13 نائبًا ليس بالأمر السهل، فمثلاً 43 صوتًا للنائب ميشال معوض مع أصوات التغييريين يصبح العدد 56، نكون قد اقتربنا كثيرًا من إمكانية إيصال رئيس للجمهورية. اذا توحّدت المعارضة والمستقلون والتغييريون مع تكتل "الجمهورية القوية" وكتلة "الكتائب" و"اللقاء الديمقراطي" يصل المجموع إلى 68 نائبًا"، لافتًا إلى أنّه "يتم اعتماد مبدأ فرق تسد، فنجد التغييريين منقسمين والسنّة أيضًا وحتى المستقلين. ولكن بما أن معوّض حصل في كل الجلسات على هذا العدد من الأصوات، فهو يستحق العمل أكثر لإيصاله. إلاّ في حال كان هناك شخص آخر ينتظرون اللحظة المناسبة للإعلان عنه. لكن في ظلِّ هذا التناقض والخطاب الخشبي والعامودي لا يمكن أن نقول بأنّ أيّ طرفٍ يمكنه إيصال رئيس، بل الواضح أنّهم يجرّوننا إلى مكان يجبروننا فيه على التوافق والتسوية".

