جاء في "الديار":
لم تتوقف تداعيات الأزمة الاوكرانية - الروسية عند حدود الساحة الأوروبية والعالمية، فكان لهذه الازمة من خلال الحرب المفتوحة بين روسيا وحلف «الناتو» التي وصفها البعض بالحرب العالمية الثالثة، تداعياتها على الساحة اللبنانية فيما يتعلق بالامن الغذائي وكيفية تأمين الحد الأدنى من الغذاء، في بلد يعاني هشاشة اقتصادية مفرطة، وهو من أكثر الدول التي أصابتها تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية، فيما خص استيراد مادة القمح.
وزارة الزراعة عملت ضمن رؤيا استراتيجية اختلفت بالمعايير هذه المرة، بعد الأزمة الروسية – الأوكرانية، فلم تعد الأولويات كما هي، فتصدرت مادة القمح الطري أولويات المشهد الغذائي في لبنان، بعد فقدان مادة الخبز أكثر من مرة لدى الأفران، وحالات الاذلال التي حصلت بسبب نقص الطحين، وصلاحية القمح اللبناني القاسي أو عدم صلاحيته لصناعة الخبز، في وقت لم تتسلم فيه وزارة الاقتصاد القمح من المزارعين. علماً أنه حتى اليوم، يبلغ الإنتاج اللبناني سنويا من القمح القاسي والطري ٦٥ الف طن، وحتى تاريخه تذهب في معظمها الى الأسواق الخارجية عن طريق التهريب.
أمام هذا الواقع، كان لا كان بد من وجود خطة للنهوض بالأمن الغذائي. فقد انطلقت هذه الخطة في ٣١ آذار الماضي، وكان من الواجب على وزارة الزراعة وكل الكوادر والمؤسسات المرتبطة والمحيطة، بإن تتحرك وفق رؤيا جديدة لتأصيل وإكثار البذور من القمح الطري .
الاتصال الأول كان من قبل وزير الزراعة بفرنسا لتأمين كمية من القمح الطري الصالح لصناعة الخبز، وكان للمختصين رأى آخر، بمن فيهم «ايكاردا» ومصلحة الأبحاث، حيث اعتبرا بأنه اذا أوتي بالقمح الطري من فرنسا، فقد لا تتلائم هذه البذور مع البيئة اللبنانية. وكانت التوصية بإن يكون القمح مؤصلاً يتلائم مع البيئة التي تعاني ندرة مياه، فتوجهت عندها وزارة الزراعة بالطلب من الفرنسيين وضع هذه الهبة في الثلاجة أو في مكان آخر، والعمل على التواصل مع المنظمة العربية لتأصيل البذور واكثار والشتول (اكساد). وما عزّز هذا التوجه الشراكة بين مصلحة الابحاث العلمية في تل العمارة و»اكساد»، للحصول على صنف 33/11من القمح الطري المواجه للصدأ والجفاف، والصالح للزراعة في العراق، مصر، الأردن، موريتانيا، المملكة العربية السعودية والصومال.
فتم تأمين سلفة بـ ٢٥٠ الف دولار، وبدأت الاتصالات بين مصلحة الابحاث و»اكساد:، وكانت النتائج أن أجريت مناقصة للحصول على القمح، وما بين المناقصة وقانون الشراء العام والعقوبات والاستشارات والروتين الإداري والأخذ والرد، نفد الوقت ولم تزرع كل الكميات التي حصلت عليها الوزارة من القمح الطري المسلم اخيرا كهبة من «اكساد» ونقلت كمية عشرة آلاف طن إلى مصلحة الأبحاث العلمية، بعدما كان عدد كبير من المزارعين الذين خافوا بأن تبقى أرضهم بور فقاموا بزراعة أرضهم بالقمح القاسي.
حيال ما جرى، قال وزير الزراعة الدكتور عباس الحاج ل «الديار» ان الملف أصبح الآن بعهدة القضاء الإداري، وليحاسب الوزير او المدير او من تقع عليه المسؤولية، وجهنا مراسلات للقضاء الإداري للتحرك اليوم قبل الغد وزرعنا ١٥ ألف دونم، بينما خسرنا نتيجة التأخير، زراعة ١٥ الف دونم من القمح الطري، وبقي معنا كمية بـ ١٠ طن ارسلت الى مصلحة الأبحاث العلمية ضمن منطق إكثار البذور للنهوض بهذه الزراعة، وأنا أشد على أيدي الكفاءات والكادرات الجيدة العاملة في هذه المصلحة.
وأكد الحاج حسن، وجود كارتيلات للقمح وتجار وسماسرة وتجار طحين يستفيدون، بدليل اذا زرعنا ٢٠٠ الف دونم، وهذا مقدر ان نكون قد وصلنا إلى إنتاج ذاتي خلال شهرين، اما بالنسبة للقمح الصلب، أنا ضد تصديره فـ ٨٥ بالمئة من القمح الطري و١٥ بالمئة من القمح القاسي ينتجان لنا خبزا «مرتبا»، وبالمطلق أنا ضد تسليم القمح القاسي أو الطري أو الشعير.
اليوم نزرع القمح ومن سيشتري القمح هي الدولة، أما المماطلة في تسلم القمح هو مسؤولية وزارة الاقتصاد. وهنا لا أتحدث عن الوزير شخصيًا، فإمكانية الدفع غير متوفرة، فكيف ندفع الأموال لاوكرنيا وروسيا للمطاحن بالفرش دولار، والاحرى بإن نقوم بنفس العملية في لبنان بدل الشراء المباشر من المزارعين، وفي طريقة الشراء من المطاحن نكون قد خففنا موضوع عمليات التهريب والاتجار غير الشرعي بيننا وبين الدول الشقيقة، ونكون قد عملنا على زيادة المساحات المزروعة، وقطعنا الطريق على المافيات التي تستغل المزارعين.
وشكر الحاج حسن المنظمات العربية و»الفاو»، وقال: هناك ١٥٧٧ مزارعًا استلموا القمح وتسجلوا اليوم، ازف اليهم بشرى جيدة بأننا سنعتمد بإن هذه الاسماء كقاعدة للعطاءات من منظمة «الفاو»، وسيكون لنا اطلالات مع المنظمين لنتحدث عن التسميد والري ومواكبة المنتجات مع الخبراء في المنظمات وفي مصلحة الابحاث ومع المنظمات العربية، والجانب السوري أبدى استعداده للمشاركة ، وتكون هذه التنمية بتوجيهات من أمين عام الدول العربية، لأن الأمن الغذائي أصبح مهدداً.
وختم الحاج حسن: عندما نتحدث عن ثلاثة أشهر مؤمنة للاستهلاك الداخلي من زراعة القمح الطري، يعني توفير ٢٧ مليون دولار مقابل ٩ ملايين دولار تدفع شهريًا ثمن طحين مدعوم، وكان من المفترض أن نزرع ٢٠٠ ألف دونم، ما الذي منعنا من ذلك؟ سوف يأتي اليوم الذي نتحدث فيه عن ذلك، وعلى القضاء الإداري أن يتحرك، لدينا ملف إداري في هذا الإطار، ومَن أخطأ يجب أن يحاسب، هذا الأمر استراتيجي وعلى كل مسؤول أن يقوم بواجباته.

