هادي بو شعيا - الأفضل نيوز
لا يخفى على أحدٍ أنّ الفوضى العارِمة تحيطُ المشهدَ اللبناني من جميع وجهاتِه السّياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة والتّعليميّة والمصرفيّة والماليّة والنقديّة...
غير أنّ الأمرَ المؤسف، أن هذه الفوضى تجدُ ضالّتها في الدّول الإقليميّة المحيطة، بدءًا بسوريا، التي كانت ولا زالت، تُعاني من تداعيات الحرب الكونيّة عليها، ومع تراجع الحضور الرّوسي نتيجة الحرب الأوكرانيّة؛ ما تسبب بخلق فراغات سارعت إيران وتركيا إلى ملئِها، قبل أن يدفع الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا في 6 شباط/فبراير 2023، والذي استُتبِع بزلزال آخر، الرئيسَ التركي رجب طيب أردوغان على الانكفاءِ عن السّاحة السّورية، والتّفرّغ لململة الدّمار الهائل الذي تهدّد نتائجه حملته الانتخابية الرئاسية المقرّر إجراؤها في 15 أيار/مايو المقبل، حسبما أكّدَ أردوغان نفسه منذ يومين على بقائها في موعدها، بعد سلسلة تحليلات وتأويلات بوجوب تأجيل الانتخابات الرّئاسية التّركية، فضلًا عن الفوضى الدّاخلية الحاصلة في تركيا ما دفعت الرّئيس التّركي إلى المشاركةِ لتقريب المسافة مع "إسرائيل"، بالإضافة إلى استعادة العلاقة الوطيدة مع مصر بعد قطيعةٍ طويلةٍ إثرَ الإطاحةِ بالرّئيس المصري السّابق محمد مرسي ومحاولته الحثيثة لإخضاع مصر تحت حكم "الإخوان المسلمين".
في حينَ أنّ الفوضى العارِمة التي تضربُ "إسرائيل" تكاد تكون الأخطر. إذ تتحدث المعلومات عن أن تل أبيب باتت عاجزة عن رصّ صفوف "الاسرائيليين" داخليًّا؛ نتيجة تمدّد اليمين المتطرف، الذي يهدّد فكرة الدّولة الاسرائيلية، بعد ازدياد مساحات الاعتراض في صفوف الجيش الإسرائيلي من السلوك اليميني المتشدّد، بينما يدعم الأميركيّون معارضي "اليمين" بكل عناصر الدّعم، لأنهم يجدون في تصرف "اليمين" سبيلًا للقضاء على "إسرائيل".
في وقت تنوي واشنطن إعادة طرح مبدأ "حلّ الدّولتين" على طاولة المفاوضات، لكن مشاريع "اليمين" الاسرائيلي تُعيد تل أبيب إلى مرحلة عصابات ما قبل 1948. في وقت تبدو الضّفة الغربية على صفيح ساخن، فإذا تفلّتت من الضبط الموجود حاليًّا، بإتجاه تنفيذ مقاومة شاملة، فإنّ لا قدرة لأي عاصمة أو قوّة على إنهاء المقاومة الفلسطينية، مما يهدّد "اسرائيل"، ويُطيح بكلّ الجهود الأميركية.
لذا، فإن واشنطن حريصة على إبقاء "اسرائيل المعهودة"، وفتح باب المفاوضات في أكثر من اتجاه، لعلّ أبرزها حلّ الدّولتين ومن ثم الجولان ومزارع شبعا.
وفي حالِ لم تتلقّف واشنطن خطورة الأحداث في الداخل الإسرائيلي؛ مما يعني حينها أن الاقليم معرضٌ لحرب تكون "إسرائيل" عنوانها، بدءًا من الضّفة الغربيّة، مرورًا بغزة، ووصولاً إلى حدودها الشمالية التي تُنبئ بدحرجة كرات النار من الدّاخل الإسرائيلي إلى الحدود اللبنانية، وتاليًا داخله!
كلّها عواملٌ وأوجُهٌ من شأنها رفع مستوى الفوضى في لبنان التي تتهدّده يومًا بعد يوم، خصوصًا في ظل الكلام الذي يرمي إلى تغيير المشهد اللبناني التقليدي نحو "لبنان الجديد" والذي يتطلًب، وفق ما يُنسج ويُحاك، رفع منسوب الفوضى وازدياد وتسريع وتيرتها لتعبّد الطريق النظري الضروري والعملي الإلزامي نحو "معمودية لبنان الجديد" والذي يتطلّب على ما يبدو، مزيدًا من الفوضى والتحلّل!
ويبقى السؤال الأوسع: هل يسارع جهابذة السّياسة في لبنان إلى تلقّف كرات النار هذه، والشروع نحو تسويات بحدودها الدّنيا قبل انفجارها في الداخل اللبناني الذي يعاني الأمرّين من جوع وفقر وفوضى يُنذر بانفجارات اجتماعيّة، وتاليًا أمنيّة، قد لا تتمكن المؤسّسات الأمنيّة ذاتها المستنزفة من التّصدي لها؟ لننتظر ونرَ.

