ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز
غريبٌ عجيبٌ أمرُ موظفي الإدارة في هذه الجمهورية البائسة التي تحولت جمهوريات وكانتونات على امتداد مساحة الوطن، بحيث أصبح كلُّ موظف في هذه الدولة المترهلة رئيسًا ومقرِّرًا على مزاجه دون رادع أو وازع.
فمع إدراكنا الكامل لحقيقة الوضع المعيشيِّ المتردي والذي طال الأغلبية الساحقة من الشعب اللبناني دون استثناء، ومع اعترافنا الكامل بأحقية مطالب موظفي الإدارة بشكل عام، إلا أنه من غير المقبول تحويلُ إدارات الدولة ومؤسساتها إلى وسائل لابتزاز المواطن المسحوق في أبشع صور المزاجية والاستنسابية.
فبعدَ اعتكاف القضاة الذي ترك ندوبه في جسد الدولة والمجتمع ككل، جاء على أثره إضراب الموظفين وكأننا أصبحنا في حالة تناوبٍ على الحرص على استمرار التعطيل والتهديم.
وإذا كان إضرابُ بعض موظفي الإدارة المالية والعقارية جاء شاملا متوجا بإقفالٍ تامٍّ مع التزام بالبقاء في المنازل وعدم الحضور إلى المكاتب احتجاجًا على غلاء مادة البنزين بشكل خاصٍّ ما جعل مصاريف النقل تفوق قيمة الراتب، إلا أنَّ موقف معظم موظفي المحاكم جاء غريبًا ومغايرًا المنطق والواقع لا بل يصح فيه وصف العبثية والارتجال، فبعد تعطيل مقصود وقسري لأكثر من ثلاث سنوات لم تعقد فيها جلسات المحاكمة في الملفات المتراكمة سارع المحامون وبعد فكِّ اعتكاف القضاة إلى محاولة إعادة العجلة القضائية للدوران ونفض الغبار عن ملفاتهم النائمة، فباشروا بتحديد مواعيد جلسات وتحضير التبليغات مع ما أصبحت تتكلفه من جهد ومبالغ مالية جاء موقف المساعدين القضائيبن لينسف كل شيء وليعيد الأمور إلى نقطة الصفر من خلال رفضهم كتابة محاضر جلسات المحاكمة ،ما أدى إلى تأجيل عشرات لا بل مئات الجلسات التي عادت إلى سباتها السابق ، واللافت المستغرب أكثر أن الموظفين المضربين عن أداء واجباتهم يحضرون إلى مكاتبهم يوميا بكامل أعدادهم ولكن يرفضون ممارسة واجباتهم فيما يتعلق فقط بكتابة محاضر الجلسات بينما يمارسون باقي الأعمال بشكل اعتيادي!!!
وهنا الغرابةُ والتساؤل، فطالما أنَّ الموظفَ يحضر إلى دائرته ويتكبد مصاريف النقل، فلماذا لا يمارس عمله كاملا بصورة غير انتقائية وإلا ما هو النفع من الإضراب في هذه الحالة وما هو الضغط الممارس من قبل الموظف.؟؟!!
بالتأكيد إنَّ المتضرر الأكبر من هذه الإضرابات الكيفية هو المتقاضي أي المواطن العادي ويماثله في الضرر المحامي الذي لم يشهد عملا قضائيًّا حقيقيًّا منذ العام 2019 ما انعكس بشكل مأساوي على أم المهن وأدى إلى إقفال مكاتب وهجرة شريحة كبرى من المحامين سيما وأنَّ السواد الأعظم منهم ليس لهم مصدر رزق غير تلك المهنة.
الأمرُ الملفتُ أكثر يظهر لدى إجرائنا مقارنةً بين موظفي الإدارة العامة و أفراد الأسلاك العسكرية من جيش وقوى أمن، فبالرغم من أنَّ رواتبهم وتقديماتهم أفضل نسبيًّا من تلك العائدة للقطاع العام إلا أننا شهدنا ونشهد منذ بداية الأزمة عشرات حالات الفرار من قبل عسكريين في مختلف القطاعات نتيجة تردي الأوضاع المعيشية بالرغم من تعرضهم للمساءلة القانونية نتيجة اعتبارعم مرتكبين لجرم الفرار ، إلا أنَّ الأمرَ نفسه لم نشهده لدى القطاع العام حيث لم نشهد حالات استقالة أو ترك وظيفة سيما لدى المساعدين القضائيين الذين بدوا متمسكين بوظائفهم وغير مستعدين للتخلي عنها بالرغم من كلِّ ما حصل.
في النهاية، إنَّ القطاعَ القضائيَّ الذي يشكل عامودًا حاملا للمجتمعات والدول لا يمكن الاستمرار بمقاربته بمنطق الإضراب سواء من قبل القضاة أو مساعديهم لما له من انعكاسات سلبية تطال كافة شرائح المجتمع ويتأتى عنه حالات من عدم الثقة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

