يحيى الإمام – خاصّ الأفضل نيوز
تسارعتِ الأحداثُ في الشهر المنصرم بشكل ملحوظ لتعيد خلطَ أوراق اللّعبة من جديد على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية ولترسمَ ملامح جديدةً للمرحلة القادمة تبشر بانفراجات سياسية واقتصادية ولو تأخر بعضها لعدة أشهر .
فعلى المستوى المحليّ باتت الحاجةُ إلى تسريع الخطى لانتخاب رئيس الجمهورية ملحةً أكثر من أجل ملاقاة الجهود العربية والدولية إلى منتصف الطريق وإجراء الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد الدولي من أجل الخروج من النفق المظلم الذي اختارته القوى الظلامية المرتبطة بأجندات أجنبية على حساب مصالح الناس والذين بات معظمهم يرزح تحت خط الفقر ، وقد كانت هذه القوى تنتظر الإشارات الخارجية مع الأسف من أجل تمرير الاستحقاقات الوطنية غير آبهة بمواجع اللبنانيين.
وحسناً فعل الرئيس نبيه بري حين قطع الطريق على المنتظرين الخائفين الرافضين للحوار والتسوية انطلاقاً من مصلحة الكلّ ، فحين زارته السفيرة الأمريكية لتوديعه واستقبلها في محيط مقره وأثناء إجراء تمرينه الرياضي طرح عليها سؤالاً عن المرشح سليمان فرنجية ووجد أن لا مانع لدى الإدارة الأمريكية من وصوله إلى سدّة الرئاسة فاعتمده مرشحاً جدّياً وطالب القوى بترشيح شخصيات وطنية جدّيّة وازنة والقدوم إلى المجلس النيابي للانتخاب وتحمل المسؤوليات الوطنية متسلحاً بمعطيات خارجية وداخلية جديدة ستحرك المياه الراكدة الآسنة في الحياة السياسية اللبنانية.
لقد كان الرئيس بري وحلفاؤه والمتناغمون مع قناعاته الوطنية من مختلف الطوائف واثقين من وصوله إلى برّ الأمان فيما يخص انتخابات رئاسة الجمهورية ،وظل يرمي الكرة في ملعب البطريركية المارونية احتراماً لدورها الوطني من ناحية وضماناً للميثاقية الدستورية التي يمكن أن تتحقق من خلال مشاركة نواب مستقلين أو غير مستقلين من مختلف المذاهب المسيحية، وبالتالي فإنَّ انتخاب الرئيس وما يليه من تشكيل حكومة وإصلاحات يفتح الباب على تحريك عجلات الحلول المرتقبة في كل الملفات.
وأما على المستوى الإقليمي فإنَّ عودة العرب إلى سورية بعد الزلزال الذي هزّ محافظاتها الشمالية لم يكن بدافع المساعدات الأخوية و الإنسانية فحسب ، فكما كانت سورية بحاجة إلى وقوفهم معها كانوا هم بحاجة إليها لكي تلعب من جديد دور الوسيط والعراب مع طهران ومع الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان كما كان الحال في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد ، وهذا ما دفع الدول العربية وفي مقدمتها الجزائر والعراق إلى الانفتاح على لبنان ، وإلغاء تأشيرة دخول اللبنانيين إلى العراق الشقيق ، وهذا أيضاً يبشر بالخير العاجل لأن العراق الشقيق وحده يستطيع أن يستوعب كل الإنتاج الزراعي اللبناني والطاقات التربوية والصحية وبالعملة الصعبة التي يحتاجها الميزان التجاري اللبناني.
وفي فلسطين المحتلة تتزايد نقمة المستوطنين الصهاينة على المتطرفين وحكومتهم ويقف نتنياهو وبن غفير عاجزين عن مواجهة النقمة العارمة وحماية تحالفهم المهدد بالانفراط ، فنتنياهو الذي لم يستطع حماية زوجته سارة من غضب المتظاهرين الذين احتجزوها في صالون حلاقة بعد نزول أكثر من ربع مليون متظاهر إلى شوارع المدن الرئيسية الثلاث، يقف اليوم عاجزاً عن التهدئة وعن تمرير قانون الإصلاحات القضائية والتي تستهدف فيما تستهدف إعدام عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال ، حتى أن الطيارين الإسرائيليين يرفضون نقله إلى إيطاليا للمشاركة في قمة ثنائية مع الرئيس الإيطالي يوم الخميس القادم ، وهذا يبشر أيضاً بانكسار هيبة المتطرفين الصهاينة وتراجع احتمالات الحرب لأن الحكومة عاجزة عن اتخاذ قرار بهذا الشأن للخروج من المهلكة التي اختارها بن غفير وجماعته العنصرية.
وهناك الكثير من المبشرات بانفراج قريب في المنطقة ككل ، فقد باتت الولايات المتحدة الأمريكية تغلّب منطق التسويات على منطق المواجهة للحفاظ على تحالفاتها في المنطقة واستقطاب المناصرين بعد إطالة أمد الحرب الروسية الأوكرانية وبدء التململ الأوروبي ، وبعد أن أظهر بوتين صلابةً منقطعة النظير ورباطة جأش في الصراع ، وبعد أن لوى ذراع القارة العجوز وأظهر عجزها في الشتاء القارس ، ما دفع بالأمريكي إلى أن يغض الطرف عن تجاوزات كثير من دول المنطقة للحصار الجائر على سورية وعلى لبنان .
لهذه الأسباب ولغيرها يعتقد المراقبون بأنَّ الوضعين السياسي والاقتصادي في لبنان وبعد أن وصلا إلى عنق الزجاجة سيشهدان انفراجات قريبة ، وفي غضون أشهر قليلة من العام 2023 ستتدفق الأموال والاستثمارات بضمانة الغاز الكامن في البحر حيناً ، وبضمانة الإخوة العرب الذين جربوا التخلي عن سورية وعن لبنان فكانت النتيجة فعلاً تهميش دور جامعة الدول العربية ، وكانت المفاعيل كما قال الرئيس الأسد يوماً : ( إنَّ من يحاول عزل دمشق إنما يعزل نفسه عن دمشق وسيأتي إليها متودداً في نهاية المطاف لأنَّ دمشق في ضعفها أقوى مما يتصور الكثيرون ).

