محمود زيات_خاص الأفضل نيوز
في مثل هذا اليوم، الحادي عشر من آذار عام 1978، أعلن ثلاثة عشر مقاومًا فلسطينيًّا ومن جنسيّات عربيّة، قادتهم ابنة مخيم صبرا الشّابة دلال المغربي ، عن ولادة "جمهوريّة فلسطين"، فكان الرّدُّ الإسرائيلي، قيام ثلاثين ألف جندي إسرائيلي بغزو أجزاء واسعة من جنوب لبنان وصلت جحافله حتّى مشارف نهر الليطاني.
ركبَ الفدائيون الثلاثة عشر البحر، على متن زورَقين مطّاطيّين سريعَين، واقتحموا الأسوار الأمنية للاحتلال الإسرائيلي، ليتوغّلوا في السّاحل الفلسطيني الممتدّ من حيفا وحت؟ى "تل ابيب"، على امتداد أكثر من ثمانين كيلومتراً، من يافا وحتّى تل أبيب، بعد أن نجحوا في احتجاز ركّاب حافلتَين من المستوطنين الصهاينة، وليسمع العالم باسم «شهداء مجزرة دير ياسين»، وقد حملت العملية اسم الشهيد كمال عدوان، القائد الفلسطيني الذي اغتاله كومندوس إسرائيلي في منطقة فردان في بيروت عام 1973، قاده ايهودا باراك قبل أن يصبح أحد أبرز المسؤولين في الكيان الإسرائيلي.
الحدث الفلسطيني المدوِّي ، انشغل به العالم، وحقّق الفدائيّون أولى أهداف العمليّة قبل أن تجوب الحافلتان الساحل الفلسطيني في محطّات عدة، وسلّط الإعلام الدولي الضّوء على القضيّة الفلسطينية والأسرى الفلسطينيين داخل السّجون الإسرائيلية، وقد خاطبت قائدة الهجوم دلال المغربي المستوطنين الرهائن بالقول.. "نحن لا نريد قتلكم نحن نحتجزكم فقط كرهائن لنخلّص إخواننا المعتقلين في سجون دولتكم المزعومة من براثن الأسر، نحن شعب يطالب بحقّه في وطنه الذي سرقتموه" .. وسألتهم "ما الذي جاء بكم إلى أرضنا"؟ ..وحين رأت دلال ملامح الاستغراب في وجوه الرهائن سألتهم: هل تفهمون لغتي أم أنكم غرباء عن اللغة والوطن! حينها تقدمت فتاة من بين المستوطنين الرهائن، تبيّن أنّها من اليمن وتتقن العربية، فطلبت دلال منها أن تترجم، لتضيف.. "لتعلموا جميعًا أنّ أرض فلسطين عربية وستظلّ كذلك، ثمّ أخرجت دلال من حقيبتها علم فلسطين وقبّلته بكلّ خشوع ثمّ علقته عند مقدّمة الباص الأوّل، وهي تردّد النشيد "بلادي... بلادي.. لك حبّي وفؤادي.. فلسطين يا أرض الجدود.. إليك لا بدّ أن نعود".
وفي البلاغات العسكرية التي صدرت في حينها، أنّ أفراد المجموعة ركبوا سفينة نقل تجارية تقرّر أن توصلهم إلى مسافة 12 ميلًا عن الشاطئ الفلسطيني ثمّ استقلوا زوارق مطاطية تصل بهم إلى شاطئ مدينة يافا القريبة من تل أبيب، ووصلوا إلى منطقة غير مأهولة ونجحوا في عملية الإنزال والوصول إلى الشاطئ، من دون أن يكتشفهم الإحتلال، ونجحوا في الوصول إلى الشارع العام المتّجه نحو تل أبيب، حيث تمكّنوا من إيقاف سيّارة باص كبيرة بلغ عدد ركابها ثلاثين راكبًا وأجبروها على التّوجّه نحو تل أبيب.. في الطريق استطاعت المجموعة السّيطرة على باصٍ ثانٍ ونقل ركابه إلى الباص الأول وتمّ احتجازهم كرهائن ليصل العدد إلى 68 رهينة، لكنّ قوات الاحتلال وضعت عوائق في وسط الطريق منعت المجموعة من مواصلة طريقها، لكن المجموعة الفدائية نجحت في اختراق جنود الاحتلال، ولأنّ ذخيرة المجموعة بدأت بالنّفاد، فقامت قوّات الاحتلال بإطلاق النار بشكل عشوائيّ على الفدائيّين والرّهائن المحتجزين داخل الباص..قبل أن تتمكّن المجموعة من الوصول إلى مبنى "الكنيست" الإسرائيلي (البرلمان) في تل أبيب، حيث كان من المقرّر أن تقوم المجموعة بمهاجمته.
يومها قال أحد القياديين الفلسطينيين في حركة "فتح"، من الذين أشرفوا على تنفيذ العملية، "لقد كان من الأهداف الموضوعة أمام المجموعة المنفّذة، وضمن سيناريو الهجوم الفدائي، فيما لو سمحت ظروف المواجهة، أن تتوجّه المجموعة بالحافلتين المليئتين بالرّهائن الإسرائيليين إلى قلب تل أبيب لمهاجمة مبنى البرلمان الصهيوني «الكنيست»، لكن جنود الاحتلال الذين كلّفوا بمهاجمة الفدائيين وهم داخل الحافلتين، فتحت النار، وبغزارة، بعد أن عطّلت حركة سير الحافلتين، وذلك قرب مستوطنة هرتسيليا.
العمليّة التي شكّلت صدمة داخل المجتمع الصهيوني وأصابت جنرالات الحرب الإسرائيليين بالذّهول والخيبة، تناقلت تفاصيلها وكالات الأنباء التي أكّدت أنّ أكثر من 7 آلاف جندي إسرائيلي شاركوا في مواجهة للفدائيين، بمؤازرة طائرات مروحية، وهم داخل الحافلتين، وقد تذرّعت قوات الاحتلال بأنّ الجنود الإسرائيليين امتنعوا بداية عن إطلاق النار على الفدائيين داخل الحافلتين، حفاظًا على سلامة المستوطنين، في إشارة إلى حجم الإرباك الذي أصيب به جنرالات العدو، لأنّهم لم يسبق أن واجهوا مثل هذا النوع من العمليات الفدائية، وتحدّث الإعلام عن أن المجموعة الفدائية تمكّنت من قتل 32 مستوطنًا أضيف إليهم 13 آخرين قتلوا على طول الطريق التي سلكها الباصان، إضافة إلى إصابة أكثر من 80 ضابطاً وجندياً، وفي وقت لاحق اعترف الاحتلال بهذه الحصيلة، فيما استشهد أحد عشر فدائيًّا وأُسر اثنان، أطلقا بعد سنوات في عملية تبادل، فيما بقي مصير الفدائي اللبناني يحيى سكاف ابن بلدة المنية في شمال لبنان مجهولًا حتى اليوم.
من هم منفّذو العمليّة؟
دلال المغربي، محمود أبو منيف، حسين فياض، خالد يوسف، محمد مسامح، عامر عامرية، خالد أبو إصبع (فلسطينيون)، خالد إبراهيم ( الكويت)، علي حسين مراد (مصر) محمد الشمري، عبد الرؤوف عبد السلام، محمد راجي الشرعان (اليمن) ويحيى محمد سكاف ( لبنان)، الذي أكّد معتقلون فلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية أكّدوا أنّ يحيى كان موجودًا داخل أحد السّجون السّرية، ورفض الاحتلال الاعتراف به خلال عمليات التبادل التي أجراها "حزب الله" قبل سنوات، ويقول شقيقه جمال سكاف .. أن شهادات أسرى محرّرين من السجون الإسرائيلية في فلسطين المحتلة أكّدت أنّ يحيى ما زال حيًّا، وهو موجود في زنزانة منعزلة في أحد السجون.
حرصت دلال المغربي ورفاقها ، على تنفيذ الوصية التي حمَّلها إياها المخطِّط للعملية "نريد منكم أن تجعلوا مناحيم بيغين يبكي، كما أبكانا في دير ياسين".

