كمال ذبيان
قبلَ نحو ستّة أشهر، بشّرَت نائب وزيرة الخارجيّة الأميركيّة لشؤون الشّرق الأدنى بربارا ليف، اللّبنانيين بأنّ وطنَهم ذاهبٌ إلى التّفكّك، قد يُعيد تكوينه، حيثُ ما زالَت على موقفِها هذا، وليس رأيًا شخصيًّا لها، بل قراءة رسميّة أميركيّة لما ينتظر لبنان، الّذي هو دائمًا في مشاريع أميركية التي تكون له وللمنطقة، وهو ما شهده منذ خمسينات القرن الماضي، عندما التزمَ لبنان الرّسمي في عهد الرّئيس كميل شمعون، بأن ينتميَ إلى "حلف بغداد" الذي هو نتاجُ مشروع الرّئيس الأميركي دوايت ايزنهاور لمحاربةِ تغلغل الشّيوعيّة في المنطقة، ونسج الاتحاد السّوفياتي في تلكَ المرحلة، تحالفات، بدأَتْ مع الرّئيس المصري جمال عبد الناصر، وأدّى اختراق السّلطة اللّبنانيّة في المشروع الأميركي، إلى انقسامٍ سياسيٍّ نتجَتْ عنه معارك عسكريّة في العام ١٩٥٨.
ومنذُ ذلكَ الزّمان، ولبنان في لُعبة محاورَ إقليميّة ودوليّة، وصراع مشاريع أميركية ومناهضة لها، فاندلعت الحرب الأهليّة، بعد خطّة وزير الخارجيّة الأميركيّة الأسبق هنري كيسنجر، الذي كان يحضّر لما يُسمّى "السّلام" بين الأنظمةِ العربيّةِ والعدو الإسرائيلي، وإنهاء المسألة الفلسطينيّة بالتّنازلِ عن الحقوقِ من قبل منظّمة التّحرير، باستعادةِ كلّ فلسطين، أو بحقّ العودة للّاجئين، وعدم وقفِ الاستيطان، واعتبار القدس عاصمة للدّولة الفلسطينيّة.
ففي ظلِّ المشاريع الأميركيّة، يتحوّلُ لبنان إلى ساحةِ صراعٍ، وكان آخرها مشروع "الشّرق الأوسط الكبير" للرّئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، والذي نتجَ عنه "الفوضى الخلّاقة" وهي ما يعملُ لها "المحافظون الجُدد" في الإدارات الأميركيّة المُتعاقبة، وهذه الفوضى، يقومُ بها ما سُمي أميركيًّا ب "الثّورات الملوّنة" التي بدأت في أوكرانيا عام ٢٠٠٤ ب" الثّورة البرتقالية" ووصلت إلى لبنان، وانفجرت في العام ٢٠٠٥ بعد اغتيال الرّئيس رفيق الحريري، وانطلاق ما سُمّي ب "ثورة الأرز" أو ما يُعرف بقوى ١٤ آذار الّتي ترفعُ شعارات السّيادة والاستقلال، وأنّ الانسحابَ السّوريّ كان من أهدافها، وقد حصلَ في نهاية نيسان ٢٠٠٥، وبقيَ سلاحُ "حزب الله"، وكلّ من الهدَفين الواردَين في القرار ١٥٥٩، الصّادر عن مجلس الأمن الدولي في ٢ أيلول ٢٠٠٤.
وما زال لبنان في دائرة الفوضى، حتّى ظهرَ ما سُمّي "ثورة ١٧ تشرين الأول" ٢٠١٩، تحتَ عناوين مُحاربة الفساد وإسقاط المنظومة الحاكمة، ومع التّحرّكات التي حصلَت في الشّارع لمطالب مُحقّة، ظهرَ بأنّ واشنطن فاعلة في "الحراك الشّعبي" وتمويله، وثمّ صُرف الغضب الشّعبي، باتّجاه "نزع سلاحِ المقاومةِ"، ومُحاربة "الاحتلال الإيرانيّ"، وإسقاط "الدّويلة" لصالح الدّولة، الّتي تحتكرُ حملَ السّلاح، هذا المشروع الأميركي عن نشر الفوضى لم يتوقّف، وقد نجحَ في إسقاطِ الدولة، وحصول شُغور في رئاسةِ الجمهوريّةِ وشَلل في الحكومة، وتعطيل لمجلس النّواب، كما انهارَ سعرُ صرفِ اللّيرة، بارتفاع سعر الدولار، الذي حلّ مكانَ اللّيرة التي فَقدَت قُدرتَها الشّرائيّة، وأدّى ذلك إلى توقّفٍ شبه كاملٍ للإدارة العامّة والقضاء والمعلّمين، وفقدان الخدمات من كهرباء إلى مياه وهواتف، وتراجع هيبة السّلطة، التي ما زال أركانها يتلهّون "بجنسِ الملائكةِ" ولبنان ينحدرُ، ولا يوجد من يعمل في الدّاخل اللّبناني لوقفِه، حيث تغيبُ المبادراتُ الحواريّةُ، وتوقّف عقد جلسات انتخاب رئيس الجمهوريّة، ولم ينفّذ لبنان ما طلبَه منه صندوقُ النّقدِ الدّوليّ، الذي خرجَ بتقريرٍ بعد عامٍ من المفاوضات مع المسؤولين اللّبنانيّين، فأعلنَ أنّ مستقبلَ لبنان سَوداويٌّ، وأنّه يتّجهُ نحو خطرٍ وجوديٍّ، مع وصول نسبة الفقر إلى أكثر من ٨٠ % من الشّعب اللّبنانيّ.
غادرَ وفدُ الصّندوق، لتحضر المسؤولة الأميركية، التي أبلغَتْ من التقَتْهم من مَسؤولين وقياداتٍ لبنانيّة، بأنّ لبنان قادمٌ على مرحلةٍ خطيرةٍ، وأنّه سيشهدُ انهيارًا كاملًا، وستحصلُ أحداثٌ في الشّارع، قد تتطوّرُ إلى إشكالاتٍ أمنيّة، وربّما إلى فتنةٍ داخليّةٍ، تهدّدُ وجودَه.
وما قالته ليف لم يلقَ اهتمامًا من المسؤولين اللّبنانيّين، وهي نبّهتْهم إلى أنّ أميركا تنظرُ إليه على أنّه موقعُ نفوذٍ لإيران.

