ليديا أبو درغم – خاصّ الأفضل نيوز
يواجه العهد الماكرونيّ الثاني خللاً كبيراً في أولويات نظام الحكم، مع انخفاض معدّلات الثقة بين المؤسسات وتفاقم حالات المنافسة السلبية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وحتى القضائية، ما أدّى إلى بروز مبارزة داخلية ثلاثية الأبعاد بين مؤسسات صناعة القرار وإنتاج التسويات، فتشعّبت المسوّدات، واختلفت بين قصر الإليزيه، ووزارة الخارجية، وجماعات النخبة، وعُلِّق الملفُّ اللبنانيُّ بين بازاراتهم، فتحوّل لبنان بالنسبة لفرنسا إلى جغرافيا ومنطقة نفوذ تجارية لاستثمارات شركاتها التجارية الكبرى.
وتغيير فرنسا لسياستها ورؤيتها، وحتى علاقاتها، في سبيل الصفقات والكسب والعقود التريليونية الكبيرة، هو أصل التباين الفرنسي مع المملكة العربية السعودية، إذ أضحى النشاط السياسي الفرنسي في منطقة الشرق الأوسط من إيران إلى العراق ولبنان متمحوراً على عقود التجارة الدولية وصفقات السلاح، واستخراج النفط والغاز، والعمليات المصرفية، ويرتكز في سوريا على مشاريع إعادة الإعمار، وهو ما لا تقبل به المملكة العربية السعودية، وخاصة في لبنان، حيث أخّرت المناورات الفرنسية على البيان الثلاثي مواقيت الحلّ، وأكثرت من العراقيل والالتفافات في أروقة اللقاءات الخماسية، وهو ما انعكس عبئاً إضافياً على المملكة التي لا تريد شيئاً من لبنان سوى استقراره، واحترامه للقوانين والشرعية الدولية، وما يهمّها هو المعيار والمواصفات الشافية للبنان. أمّا فرنسا فغرقت في وحل الباطنية اللبنانية وتفاصيلها المملّة وسلّتها الكاملة، فكانت تسمّي وتدعم وتعد في سبيل استثماراتها الإقليمية قبل تلك الباطنية اللبنانية فساهمت هذه السلوكيات في انخفاض منسوب الثقة وأخّرت الاستحقاقات انعكاساً لرعونة أدائها السياسي الداخلي.
تحاول فرنسا جاهدة تحقيق "الحلم الديغولي" في ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة الأميركية وراءها بعد عقود طبعها التدخل السياسي والعسكري الذي أنهك واشنطن، لكن العودة إلى الشرق الأوسط ليست بتلك السهولة، ورغم محاولات ماكرون المتعددة لإعادة بلاده إلى مصاف الدول ذات اليد الطولى في المنطقة، فإنَّ النتائج الأولى لهذه المحاولات لم تحقق حتى الآن نتائجها المرجوة: ففي لبنان، لم يحقق ماكرون شيئاً ملموساً، و"القنبلة الدفاعية" التي رمتها الخارجية الفرنسية الخميس الماضي في أن "لا مرشح رئاسي لديها" لا تزال تتفاعل، ومن المرتقب أن يكون لها تداعياتها في الأيام والأسابيع المقبلة، وسيكون صداها مسموعاً في الحوارات الإقليمية التي ستحصل وتبحث الملفَّ اللبنانيَّ، خصوصاً اللقاء الخماسيَّ في حال عُقد.
وقد لوحظ أنَّ الموقف الفرنسي تزامن مع خبر إعلان الاتصال السعوديِّ- الإيراني في شأن عقد القمة بين الملك سلمان والرئيس إبراهيم رئيسي قريبا ًفي المملكة والتي ستدشّن عودة العلاقات إلى طبيعتها بين البلدين بعد اتفاق بكين ثم القمة العربية المقررة في السعودية في 19 أيار المقبل، ولا يخفى الأمر أنَّ لفرنسا مصالح ضخمة في إيران من خلال شركة "توتال" وحقول النفط الموجودة هناك، و"الصفقة" التي تُحاول فرنسا ترتيبها في لبنان لا تخرج عن سياق التسويات التي تعقدها باريس مع طهران، وعنوانها العريض استخراج النفط، لكن وفي الإطار نفسه، ثمّة مصالح فرنسية سعودية لا يُمكن لباريس تخطّيها، وانطلاقاً من هاتين النقطتين تكون فرنسا اختارت الوسطية والتوافق لا الاصطفاف والتحدي.
فهل تشعل نيران تلك القنبلة فتيل فشل ماكرون السياسي في الشرق الأوسط ونهاية الحلم الديغولي للجمهورية الخامسة في باريس؟.
يتاجر ماكرون في السياسة البراغماتية، ويسايس في التجارة الدولية، فيما يراهن اللبناني كعادته على "حصان تسوية أعرج"، وحتى مع زحمة الطائرات والزيارات على خطِّ مطارَي رفيق الحريري وشارل ديغول. تبقى المبادرات ضرورية بالشكل، لكنّها منقوصة بالعمق.

