هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
عشيةَ وصول الموفد الفرنسي جان إيف لو دريان إلى لبنان في مهمة استكشافية حول المواقف التي كرّستها الجلسة الثانية عشرة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية والتي لم تختلف في مضامينها وأهدافها عن سابقاتها الحاديةعشرة، يصرّ المسؤولون اللبنانيون على إبقاء حال الشلل والتعنّت التي تعصف بلبنان وشعبه، فضلاً عن مستوى الانحلال الذي بلغته دولته المتهالكة والمترامية عند أطراف أمزجة دول إقليمية وأخرى دولية،
ولا أدل على ذلك كله سوى انغماس الأطراف اللبنانيين في صراعاتهم الداخلية وحساباتهم الضيقة للحصول على مكتسبات في التركيبة السياسية التي من المفترض أن تتشكل مع عهد جديد لرئيس عتيد، وذلك بالاستناد إلى ولاءاتهم الخارجية.. وكأنهم يتركون الأمر للدول المؤثرة في الشأن اللبناني الاستثمار في أزماته، والتي تعمل على خطوط متشابكة ومتقاطعة للمواءمة بين أجندات الداخل والخارج وفق لعبة إقليمية بنكهة دولية يغلب عليها المذاق الفرنسي.
غير أنَّ اللبنانيين يبقون على آمالهم حيال المفاوضات الخارجية في اجتماعات باريس وطهران في ظلِّ حاجة لبنان للتوصل إلى سيناريو من شأنه أن ينهي الأزمة كخطوة أولى قبل تنفيذ الإصلاحات اللازمة للخروج من الركود الاقتصادي والمالي الذي يتداعى شيئًا فشيئًا. في حين لم يكن متوقعًا أن يُسفر لقاء الإليزيه في باريس الذي جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن نتائج علنية واضحة وفورية إزاء الانسداد السياسي المزمن في لبنان. لكن الملفَّ اللبنانيَّ لم يأخذ حيّزًا واسعًا من النقاشات بل اقتصر الحديث على التطرق السريع إلى مواقف وتبادل الاخبار. فيما استحوذ اللقاء على نقاشات واهتمامات أخرى تتعلق بقضايا دولية شكلت محور تقارب بين الطرفين على غرار الموقف من الحرب الأوكرانية والنظرة إلى الدور الأميركي في معالجة ملفات العالم، ناهيك عن التحديات الإقليمية والدولية مثل أمن منطقة الخليج ومحاربة الإرهاب، وأحدث التطورات ذات الصلة بالملف النووي الإيراني وغيرها الكثير من القضايا والملفات.
لكن من المفترض أن يحدّد اللقاء مستقبل عمل المجموعة الخماسية للبحث في آخر المستجدّات والانفتاح على مجموعة أفكار جديدة، سيحملها معه موفد الرئيس الفرنسي لبدء مشاوراته مع الأفرقاء اللبنانيين.
يأتي لودريان إلى لبنان لمناقشة الوضع وفق منظوره، وليضع مخرجاً من الانسداد السياسي عبر التركيز على الأساسيات والثوابت، مدى تمسّك أطراف النزاع باتفاق الطائف، وملفّ الإصلاحات، وإلى أي مدى يمكن السير فيها، مع إدراكه المسبق لحجم الصعوبات القائمة نتيجة التوازنات السياسية بين الطوائف، وتمكنّها الاقليمي وإسقاطاته على الداخل، فيدعو الأطراف إلى حيز أوسع من اللبننة، من ضمن توجّهات تراعي التوازنات الخارجية الجديدة.
تحتاج فرنسا في مبادرتها إلى دعم من السعودية التي لا تشاء أن يكون لها الدور المباشر، مع رغبتها في أن تستمرّ باريس في الواجهة. إذ يحاول لودريان الانطلاق من قواعد أكثر توازناً باحتمال نجاح معادلته الجديدة، ومن منطلق أنّ السعودية التي تضطلع بإعادة سورية إلى جامعة الدول العربية، وتقوية نظام الرئيس السوري بشّار الأسد، حريٌّ بها أن تفعل الأمر نفسه إزاء مساعدة لبنان. وتدرك باريس (ومعها الدوحة) أنّ الاتفاقيات السعودية في المنطقة ستشمل أيضاً الملف اللبناني. وتسعى فرنسا لأن تحرص السعودية من أجل توفر الظروف المناسبة التي تسهّل العملية الانتخابية، وإيصال رئيس جديد ووضع حدٍّ للانهيار الشامل في لبنان.
في الختام، بات واضحًا أن انتخاب الرئيس العتيد لن يحصل قبل التوصل إلى اتفاق إقليمي - دولي. ولا يشير الواقع إلى أيٍّ من النشاطات السياسية الداخلية التي يمكن فصلها عن الموقف الخارجي، ذلك أن التكتلات الحزبية المكوّنة للبرلمان تفتقد إلى ثقافة جماعية، كما إلى معايير إجرائية تركّز على إعادة انتظام عمل المؤسّسات الدستورية ما يفاقم من حال الفراغ المزمنة.

