هنادي السمرا - خاص الأفضل نيوز
عجيبٌ أمرُ بعضِ السّياسيين في بلادنا، يرفضون أي مخرج أو طرح لحوار داخليّ، يبعد عن الوطن شبح الانهيار المحتّم، ويتراكضون زرافاتٍ ووحدانًا، وراء رعاية خارجية - عربية كانت أم غربية - خلافاً لمقولة (الأقربون أولى بالمعروف)، وعلى أمل أن يأتي التّرياق من العراق أو أيّ بلد آخر، حتّى صار يصحّ فيهم المثل الشّائع "الكنيسة القريبة ما بتشفي"، والغريب أنّنا نراهم يتمسّكون، في الوقت عينه، بعبارة السّيادة الوطنيّة، غير متّعظين من عذابات الشعب المسكين ودماء آلاف الشّهداء الذين سقطوا دفاعاً عن هذا الوطن واستقلاليته...
لقد اختتم الموفد الفرنسي الرئاسي إلى لبنان جان إيف لودريان مؤخّراً زيارتَه الاستطلاعية المرتبطة بالاستحقاق الرئاسي، بعد، لقاء الرئيسَين نبيه بري ونجيب ميقاتي، ورؤساء الكتل النيابية وعدد من النواب المستقلين والتّغييريّين، وقائد الجيش بالإضافة إلى المرشّحَين للرئاسة: فرنجية وأزعور، وسفراء الدول الخمس المعنيّة بالشّأن الرئاسي اللبناني، وأكّد لودريان أنّ الزّيارة هي الأولى وستتبعها زيارات، لاستمزاج المواقف. وقد كانت زيارة الموفد الرئاسي استطلاعيّةً للوقوف على آراء الجميع، ولكي يبنى على الشّيء مقتضاه، استكمالاً لما كان قد بدأه الفرنسي من مبادرات منذ بداية الشّغور". على أن يعود في جولة ثانية في تموز إمّا بمسار يتضمّن اسماً جامعاً، أو للعمل على لقاءات بين الأفرقاء لوضع وتنفيذ خطّة إنقاذ وطنيّ، على غرار الدوحة، والوصول إلى اتفاق مرحليّ مع التزام كلّ القوى بهذه الخطّة.
"استمع لودريان وسأل وكان واضحًا بأنّه يحاول استمزاجَ آراء الجميع، لكنّه لم يكن واضعاْ أو مُلغياً لأيّ اسم من الأسماء، وواعداً باستكمال الزّيارة في شهر تموز القادم.
وبناءً على الجولة الأولى سيكون هناك تقدّم للمبادرة الفرنسية من خلال أفكار واقتراحات ستبنى عليها الرؤية الفرنسية الجديدة وستتضح لاحقًا"، فالضّيف الفرنسي، كان مُستمعاً أكثر منه مُتكلّماً، وقد وجّه سؤالين أساسييّن : الأوّل طلب عبره توصيفاً للواقع السّياسي، فيما أراد في السؤال الثاني التعرّف على كيفيّة الخروج من الواقع الرّاهن.
فانقسم الفرقاء بين من يرى وجوب عقد جلسة انتخابات رئاسيّة بدورات متتاليّة استناداً إلى تفسير الدستور، فيما أصرت، وجهة نظر ثانية على أنّ لا بديل عن الحوار والتّوافق لإنتاج الرئيس، بعيدًا عن الكيديّة والتّحدّي أو عزل أيّة فئة من اللبنانيين وعلى قاعدة اللّاغالب ولا مغلوب.
وقال لودريان في بيان قبيل مغادرته لبنان " بناء على طلب رئيس الجمهورية الفرنسية ايمانويل ماكرون، الذي عيّنني موفده الشّخصي من أجل لبنان، قمت بزيارة إلى لبنان من 21 إلى 24 حزيران ، وفي هذه الزّيارة أردت أوّلًا أن أصغي، لذا التقيت بالسّلطات المدنيّة والدينيّة والعسكرية بالإضافة إلى ممثّلين عن كافّة الأطراف السّياسيّة الممثّلة في مجلس النواب".
وأضاف: "سوف أرفع تقريرًا حول هذه المهمّة إلى رئيس الجمهورية فور عودتي إلى فرنسا. وسأعود مجدّداً إلى بيروت في القريب العاجل لأنّ الوقت لا يعمل لصالح لبنان ".
وتابع لودريان: "سوف أعمل على تسهيل حوار بنّاء وجامع بين اللبنانيين من أجل التوصّل إلى حلّ يكون في الوقت نفسه توافقياً وفعّالًا للخروج من الفراغ المؤسّساتي والقيام بالإصلاحات الضروريّة لنهوض لبنان بشكل مُستدام وذلك بالتّشاور مع الدول الشّريكة الأساسيّة للبنان".
وتُشير المعلومات في المقابل إلى أنّ المبادرة الفرنسية بطرح فرنجية كمرشّح رئاسيّ لم تسقط نهائياً بعد مع تمسّك الفريق الدّاعم لفرنجية بمرشّحهم إلّا أنّ الموفد الفرنسي لم يأت لتسويق مبادرته السابقة ولم يطرح مبادرة المقايضة. ومن جهة أخرى، فإنّ طرحَ أزعور كمرشّح رئاسيّ لا يزال قائماً، إلّا أنّ أيًّا من الاثنين لا يمكنه الوصول إلى الرّئاسة في ظلّ الانقسام الحاصل، واستعمال النواب لحقّهم الدستوري بالانسحاب من الجلسات الانتخابية وبالتالي تعطيل النّصاب.
وعليه فمن الواضح أنّ هناك يقيناً لدى الطّرفين، المُمانع والمُعارض، أن أيًّا منهما غير قادر بمفرده على إخراج الرئيس من القمقم من خلال مواجهة غير محسوبة النتائج، فلا يبقى إلّا الحوار سبيلًا للاتفاق على اسم جامع، وهنا ترتفع أسهم الخيار الثالث، وإلّا فإنّنا ذاهبون إلى مزيد من التّعطيل والجمود، وحبّذا لو يكون الحوار داخليًّا بدلًا من كونه خارجيًّا، لأن السّيادة التي يتغنّى بها بعض اللبنانيين ستكون في مأمن فيما لو كان الحوار داخليًّا، لا سيما وأنّ تجارب الحوارات أو التّسويات الخارجيّة، وإن نجحت لفترة مؤقتة، لم تنتج حلًّا نهائياً للأزمة السّياسية والدستورية، بل قدّمت معالجات مرحليّة تسقط عند أول محكٍّ، كمن يُداوي السّرطان بالمُسكّناتِ.. فهل من معتبر؟

