هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
لا يختلف اثنان على أن منطقة الخليج العربي تعتبر منذ فترة ليست بقريبة نقطة تحوُّل استراتيجية في سياق التحولات الجيو-سياسية، وبينما تنشر الولايات المتحدة الأميركية مشآتها البحرية، زاعمةً أن إيران تقوم بتصرفات تزعزع استقرار تلك المنطقة الحيوية، نجد أنها تتغافل عن التحركات الإسرائيلية في المنطقة عينها وتصرفاتها الإرهابية تجاه سفن إيرانية وسواها.
وهنا لا بدّ من طرح سؤاليْن رئيسيَّيْن:
- ما هي الآثار والمخاطر المترتبة على مثل هكذا خطوة؟
- وماذا يعني ذلك بالنسبة لتوازن القوى في تلك المنطقة؟
لا بد من التذكير هنا بكلام المتحدّث باسم وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" بات رايدر الذي علّل إرسال آلاف الجنود الأميركيين إلى المنطقة بقوله : "نعمل كجزء من تحالف أكبر يضم شركاءنا في المنطقة من أجل ردع أي اعتداء محتمل على خطوط الملاحة والحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. ولهذا قمنا بنشر هذه التعزيزات العسكرية الإضافية لكي تكون لدينا خيارات إضافية، ولتسريع الجداول الزمنية وضمان الاستقرار بشكل عام".
مزاعم أميركية واتهامات لتبرير التعزيزات
وفي السياق ذاته، عزا السيناتور الجمهوري جيري نوران الخطوة الأميركية هذه إلى أسباب إضافية فقال : "تأتي هذه الخطوة فيما تواصل إيران تطوير برنامجها النووي وتزويد روسيا بأسلحة لاستعمالها في أوكرانيا وتمويل مقاتلين بالوكالة في عموم الشرق الأوسط، فضلاً عن احتجاز رهائن أميركيين، متوعّدةً بقتل مسؤولين أميركيين سابقًا انتقامًا لاغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني".
وتزعم البحرية الأميركية أن القوات الإيرانية حاولت أكثر من عشرين مرة، خلال العامين الماضيين، الصعود على متن سفن تجارية أجنبية، الأمر الذي دفع واشنطن للبدء بعملية بحرية عسكرية، مدعومة جوًّا، في محاولة لردع طهران من جهة، ولضمان حرية الملاحة الدولية من جهة أخرى.
الأهمية الاستراتيجية للمنطقة
الجدير بالذكر، أن إدارة العملية البحرية تجري في البحرين، حيث المقرّ الرئيس لقيادة الأسطول الأميركي الخامس، المسؤول عن أمن الملاحة على امتداد نحو 2,5 ميل مربع من المياه الدولية التي تشمل الخليج العربي وخليج عُمان، فضلاً عن بحر العرب والبحر الأحمر وأجزاء من المحيط الهندي، والتي تضم أهم ممرات الشحن في العالم على غرار مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وصولاً إلى قناة السويس.
في حين يضم الأسطول الأميركي قوة بشرية وعسكرية تكاد تكون هي الأكبر خارج الولايات المتحدة الأميركية بتعداد يتجاوز 8 آلاف فرد يشغّلون سفنًا حربية وأيضًا طائرات مقاتلة، بالإضافة إلى أخرى تضطلع بدور الإسناد والمراقبة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط.
كما يتعامل الأسطول الأميركي الخامس، حسب زعم الأمريكيين، مع مجموعة تهديدات واسعة في المنطقة قد لا تقف عند حدود السطو على السفن، وإنما تتعداها إلى تهريب البشر والاتجار بهم، والقرصنة وتهريب المخدرات والأسلحة، وهجمات الطائرات من دون طيّار والهجمات الصاروخية.
إذ تقول البحرية الأميركية أنها تعمل على تعزيز الشراكات الإقليمية وتسريع الابتكار لمواجهة التحديات الأمنية الكبيرة، بحيث لا تستطيع دولة واحدة مواجهتها بشكل منفرد.
قراءة نقدية وتحليلية
وأمام هذه المعطيات، تبرز أربع قراءات يمكن التوقف عندها للإجابة على الأسئلة التي تقف خلف الخطوة الأميركية هذه وتوقيتها:
- الأولى، تحذّر من "عسكرة الرد الأميركي المزعوم إزاء الهجمات الإيرانية على ناقلات النفط في الخليج، وترى أن إرسال المزيد من السفن والقوات الأميركية إلى المنطقة من شأنه أن يهدّد بتصعيد التوترات كما قد يؤدي إلى اتساع رقعة الصراع. وتبرز هنا الدعوة لتركيز واشنطن على الجهود الديبلوماسية وخفض التصعيد في المنطقة في إشارة إلى أن مرحلة ذوبان الجليد بين إيران والسعودية تشكّل مثالاً يحتذى به لجهة كيفية استخدام الديبلوماسية للحد من التوترات في منطقة الخليج.
- الثانية، ترى أن خطوة إدارة الرئيس الأميركي جوزف بايدن، المتمثلة بإرسال ثلاثة آلاف جندي إلى الخليج، تحمل تحذيرًا لإيران لثنيها عن الاستيلاء على السفن التجارية، خصوصًا وأن التصرفات الإيرانية عمّقت الفجوة بين واشنطن وحلفائها في كل من الرياض وأبوظبي، ما دفع العواصم الخليجية للبحث أكثر عن الحدّ من تبعيتها للولايات المتحدة في مجال الدفاع. فيما يأتي التحرك الأميركي بالتزامن مع انتهاء عقوبات أممية مفروضة على إيران ترتبط بالاتفاق بشأن برنامجها النووي في مقابل الضبابية التي تحول دون توصل واشنطن وطهران لصيغة اتفاق جديد.
- الثالثة، تشهد العلاقة بين واشنطن وطهران توترات متنامية في الآونة الأخيرة بسبب ملفات وتطورات عدة، من بينها مزاعم واشنطن التي تتّهم طهران بمهاجمة ناقلات نفط في الخليج، فضلاً عن دعم إيران لروسيا في حربها ضد أوكرانيا. بيد أن الفرصة لا تزال قائمة في نجاح الديبلوماسية لتجنيب الطرفين تصعيدًا جديًّا من خلال التوصل إلى تفاهم بشأن القضايا الخلافية، على الرغم من التلويحات من كلا الطرفين بالتهديد والوعيد والاستعداد للحرب، إلا أن أيًّا منهما يرغب في الذهاب أبعد من ذلك.
- الرابعة، تعتبر الخطوة الأميركية قرارًا خاطئًا لأسباب عديدة، ذلك أن حماية السفن التجارية ليس من مسؤولية واختصاص الولايات المتحدة الأميركية، بل من مسؤولية الدولة التي ترفع علم بلادها عليها، وتاليًا تعتبر قضية حماية السفن التجارية واسعة النطاق وتستنزف الموارد الأميركية.
في المحصلة، يجب الإقرار بأن الخطوة التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية في منطقة الخليج عبر نشر وزيادة عديد قواتها إنما ينطوي على هدفيْن اثنيْن:
الأول، ضمان عبور ناقلات النفط والغاز ووصولها إلى الولايات المتحدة في ظل ارتفاع أسعار النفط الخام عالميًا، عقب الحرب الروسية-الأوكرانية.
أما الثاني فيندرج ضمن سياق تعكير صفو العلاقات الصينية الخليجية، التي بدأت تزداد قوةً وصلابةِ عقب الإنسحاب الأميركي الفاشل من منطقة الشرق الأوسط، ومحاولة قطع الطريق أمام الصين في تلك المنطقة وإفساد مبادرة "الحزام والطريق" التي تنتهجها بكين للتغلغل في الأسواق العالمية والدول والمحيطات والمعابر الدولية.

