يحيى الإمام - خاصّ الأفضل نيوز
يبدو أن فريقًا كبيرًا من اللبنانيين لم يتعلّم من دروس التاريخ بعد، كيف يحفظ سيادة وطنه واستقلاله، فظلّ يرتبط بأجندات خارجية منطلقًا من مصالحه فقط وطامعًا بتحسين شروط العقد الاجتماعي وتعديل الدستور وفقًا لأهوائه، بدلاً من أن يوظفَ علاقاته بالشرق أو بالغرب لما يخدم مصالحَ البلاد العليا، فيحظى باحترام اللبنانيين كلهم وفي مقدمتهم أبناء طائفته ومنطقته وأتباع مذهبه ومعتنقو دينه.
لقد كان الحدثُ الأخير عند كوع الكحّالة تتمةً لمسلسل واحد يتألف من حلقات متتابعة بدأت باغتيال الرئيس رفيق الحريري عام ٢٠٠٥، واستكملت في ١٩ تشرين الأول بدعم وتمويل من السفارات الأجنبية ذات الأهداف الاستعمارية المعادية، فاستغلت حاجة المساكين ومشاعرهم لتسرق منهم ثورتهم وتلتفّ على مطالبهم، فتُحكِم الحصار وتذهب وأعوانها بالبلاد إلى الانهيار.
ولبنان القديم، الذي أرادوا القضاء عليه وإفقاده دوره المتميز في منطقة الشرق الأوسط، كان يرتكز على أسس اقتصادية هشّة، فلا هو بلد صناعي ولا زراعي، وكانت السياحة وقطاع الخدمات وحركة الواردات والصادرات في المرفأ قبل تدميره وحركة الترانزيت والقطاع المصرفي تشكّل الدّعامات الأساسية لاقتصاد لبنان بعد نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ وقبل الحرب الأهلية اللبنانية التي انطلقت شرارتها في نيسان سنة ١٩٧٥، ما دفع ببعض الاقتصاديين أن يصِفوا لبنان بأنه عبارةٌ عن "مرفأ وملجأ ومصرف ومقصف، فلا بقي المرفأ ولا بقيت خدمات المصرف، ولا بقي من لبنان إلا إيمان بنيه بالنهوض من جديد وثباتهم وعنادهم وتشبثهم بأرضهم رغم كل التحديات.
ولعل العوامل التي ساعدت لبنان على النهوض والازدهار كانت كثيرةً، وكان من أهمها احتلال فلسطين ومقاطعة العرب لكيان الاحتلال وبالتالي خسارة مرفأ حيفا لدوره الطبيعي كما كل فلسطين، والثروات الهائلة التي تحققت من أرباح النفط العربي، والقوانين الاشتراكية وإجراءات التأميم التي قام بها الزعيم العربي جمال عبد الناصر في كل من مصر وسورية في خمسينات وستينات القرن الماضي وبالتالي هروب الرساميل الكبيرة والمشاريع الكبيرة من دمشق وحلب والقاهرة إلى بيروت، وانطلاق العمل العربي المشترك في المجلس الاقتصادي الاجتماعي المنبثق عن جامعة الدول العربية الفتية والواعدة آنذاك، والذي كان من ثماره تأسيس كازينو لبنان المدرّ للأرباح للخزانة اللبنانية والمستجرّ للأموال العربية بشكل خاص.
ومع كل تلك الفرص الذهبية كان الفساد والطائفية والمحاصصة والمحسوبية والإقطاع والزبائنية والتّبعية للخارج سمات رافقت السياسة اللبنانية منذ تشكيل الكيان اللبناني، بل ربما أثناء نظام المتصرفية والقائمقاميتين قبلها.. لماذا؟
لأن اللبنانيين لم يبادروا إلى تشكيل دولة عصرية تقوم على المواطنية.
نعم، لقد تشكّلت قناعة كاملة لدى كثير من اللبنانيين بأن لبنان، بجناحيه المقيم والمغترب، لم يكن بلدًا فقيرًا وإنما كان منهوبًا بالأمس ومحاصرًا اليوم بإرادةٍ أمريكية إسرائيلية، وبأن الإدارة الأمريكية توظّف كل طاقاتها وأعوانها لخدمة أهدافها في المنطقة، وأن المقصود تهشيم كل مواطن القوة والمنعة والردع في الدول المحيطة بإسرائيل بغية الحفاظ على أمنها ووجودها أولاً وحرصاً على نفوذها واستمرار مصالحها ثانياً، وفي لبنان كان المطلوب استدراج قوى المقا و مة إلى صراع داخلي طويل، واقتتال أهلي، وكانت الاستفزازات والاتهامات جاهزة، ولعل ما حدث في خلدة وشوَيَّا والطيونة وفي عين الحلوة و الكحّالة وما رافقها من اتهامات كانت مقدمات لحرب أهلية، وقد تمّ احتواؤها بفضل قيادة المقا و مة الحكيمة الواعية كتطبيق لقول سماحة الأمين العام للمقا و مة: "إن الذين يريدون الحرب الأهلية في لبنان غير قادرين ، والقادرون عليها لا يريدون".
وإذا كانت الأطراف التي تناوئ المقا و مة وتعاديها وتحاول استدراجها إلى حرب شوارع غير قادرة على الثبات في وجهها أو تحقيق انتصار عليها، فعلامَ تراهن هذه القوى المسترزقة؟ ولمن تقدّم أوراقَ اعتمادها؟ وتدخّلَ من تنتظر إذا احتدمت الحرب؟ ولصالح من تطلق تصريحاتها النارية؟ وأين تجد قوة لبنان وقدرته على الرّدع والدفاع؟
وإزاءَ كل ذلك لا بد من تشكيل جبهة وطنية عارمة وعابرة للطوائف والمذاهب والمناطق تضع نصبَ عينيها مصلحة لبنان وتعمل على تحريره من كل حصار وعدوان وارتهان، ويغدو من خلالها تحرير الأرض وتحرّر الإنسان خيارًا لأوسع شريحة شعبية، تحفظ مؤسسات الدولة وتخلصها من الفساد الذي يتململ في عروقها لأن الفساد هو الحليف الأقوى للاحتلال، ويبقى أن نقولَ: إن حضور الدول الصديقة لنا والمعادية للكيان الغاصب في أرضنا العربية ليس هو العيب، وإنما العيب والعار يتجلّيان في غياب المشروع القومي العربي، وفي غياب المشروع الوطني النهضوي التّحرري، وفي مهادنة العدو وتطبيع العلاقات معه وهو يحتل أرضَنا ويدنّس مقدساتنا، وقد صدقَ الشاعر حين قال :
" ومن رعى غنمًا في دار مأسَدةٍ
وغابَ عنها تولّى رعيَها الأسَدُ "

