هنادي السّمرا - خاصّ الأفضل نيوز
يبدو أن الفراغَ في المؤسّسات الدستورية بات يهدّدُ بانفلات الوضع الأمنيّ في ظل التّوترات والإشكالات المتنقّلة التي تزامنت مع أحداث مخيم عين الحلوة ثم تكاثرت بعدها وترافقت مع تحذيرات السّفارات العربية و الغربية ما يُوحي بأن شيئًا ما يُحاك في الأروقة بهدف إشعال فتنة وإرباك الجيش اللبناني الذي بات المؤسّسة الوطنية الوحيدة الضامنة لأمن واستقرار لبنان، بعد أن تحوّلت معظم المؤسّسات والإدارات، بين تصريف الأعمال أو التعطيل أو الإنابة، إلى مجرد وكيل يقوم بالحدّ الأدنى المطلوب من مهامه في غياب الأصيل.
وهذا ما ينطبق على رئاسة الجمهورية والحكومة ومصرف لبنان ورئاسة الأركان في الجيش، وما هو مقدّر له أن يحصل على مستوى قيادة الجيش بعد انتهاء ولاية قائده العماد جوزيف عون في شهر كانون الثاني 2024، في حال بقي الخلاف السياسي مستحكمًا بالبلاد والعباد.
وما يزيدُ الطينَ بلّة، ارتفاع بعض الأصوات التي تحاول النيل من مناقبية وحكمة المؤسّسة العسكرية من جهة، وتذكر بعبارات طائفية أو مناطقية كانت تُستعمل خلال الحرب الأهلية، وقد دفع جميع اللبنانيين الغالي والنفيس والكثير من الشهداء والضحايا في سبيل تجاوز تداعياتها.
وبالتوازي مع كل ذلك فإن ما يحصل من خروقات يقوم بها العدو الإسرائيلي على الحدود الجنوبية، استباقاً لموعد التجديد لقوات "اليونيفيل" واستمرار مهامها في لبنان لهو أمرٌ ملفت ويصبُّ في ذات المصَبّ.
وفي خِضَمّ ما يجري، فقد تكثّفت الاتصالات والمشاورات على أكتر من جبهة، من عين التينة إلى السراي الحكومي واليرزة، في محاولة لمنع الأحداث من التفلت من عقالها، على قاعدة ضبط الأمور واتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم تكرارها، ومعاقبة كل من تُسوّل له نفسه الاصطياد بالماء العكِر واللعب بأمن واستقرار لبنان.
ووسط الاتهامات المتبادلة غداة حادثة الكحّالة، فقد حسم وزير الدّاخليّة والبلديّات في حكومة تصريف الأعمال القاضي بسام مولوي، إثر ترؤسه اجتماعًا لمجلس الأمن المركزي، التركيز على "الدّور المحوري للجيش اللبناني وكلّ القوى الأمنيّة والسّلطات القضائيّة لحماية أمن المواطنين والسّلم الأهلي وتحقيق الاستقرار في البلد"، وأكّد في هذا الإطار على "رفع الجهوزيّة الأمنيّة لمواكبة التّطوّرات ولحماية المواطنين"، ودعا السياسيين إلى "أن تَصبّ تصريحاتهم في خدمة السلم الأهلي وتطبيق القانون".
وقد يكون ما قاله رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي من مجلس النواب بعد لقائه الرئيس نبيه بري وبعد تعطيل الجلسة التشريعية، وما قاله من السراي بعد اجتماع مجلس الوزراء، يحمل بشكل أو بآخر أكثر من مؤشر على المرحلة المنتظرة بغض النظر عن الأسباب والموجبات، حيث قال ميقاتي " إن لبنان وصل إلى مرحلة صعبة جدًا، مشيرًا إلى "أن انهيار الاقتصاد النقدي سيعرض لبنان إلى الكثير من المخاطر، داعيًا إلى ضرورة هيكلة القطاع المصرفي، وإلّا فإننا سنقع بأزمة أكبر.. أللّهم إنني قد بلّغت".
وهنا تسأل المصادر المتابعة، هل ما يحصل في لبنان اليوم بريء؟، أو أن هناك محاولات لرفع وتيرة الاحتقان السياسي، من خلال بعض الإشارات والرسائل الأمنية – أكانت داخلية أم خارجية - بهدف الوصول إلى ما لا يمكن الوصول إليه عند انتظام المؤسسات الدستورية؟
وفي حال بقي الجمود السياسي والتعطيل ضمن دائرة المراوحة في نفس المكان فما العمل؟ وكيف تخرج البلاد من هذا النفق المظلم؟
فعلى مستوى رئاسة الجمهورية، قد بات واضحًا لدى الجميع بأن هذا الجمود وذاك التعطيل هما بمثابة ورقة ضغط يستعملها كل فريق في وضع الشروط المسبقة على اسم الرئيس أو على مبدأ الحوار الهادف إلى إنتاج رئيس - قُبيل عودة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت المرتقبة في شهر أيلول المقبل وبالتزامن مع ردود الفعل المعترضة على الرسائل التي وجّهها إلى النواب بهدف استطلاع آرائهم ومعرفة وجهات نظرهم حول مواصفات الرئيس وبرنامج عمله - وبغض النظر عن مدى ضلوع كل فريق بهذا التصعيد، أو حتى الاستفادة منه لطرح أجندات سياسية قديمة جديدة، تصب بشكل أو بآخر بتعكير الأجواء، وإن كان الجميع يحذّر من مفاعيل أية خطوة تتّخذ وتذهب بالبلاد إلى فتن متنقلة، لا يمكن تفادي مفاعيلها.

