خليل حرب - خاصّ الأفضل نيوز
كان يمكن لتصريح مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، الذي يقول فيه أن "الولايات المتحدة لا تنظر إلى مجموعة بريكس كمنافسٍ جيوسياسي محتمل"، أن يمرّ مرور الكرام، لولا أن الأرقام والحقائق تقول خلاف ذلك بوضوح.
ترافقَ التصريح المحيّر لسوليفان، الذي هو فعليًا بمثابة منظر شؤون الأمن القومي للولايات المتحدة في إدارة الرئيس جو بايدن حاليًا، مع انعقاد قمة جوهانسبورغ التي تضمّ الصين وروسيا والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل، التي تشكل مجتمعةً ربع حجم الاقتصاد العالمي ونحو خُمس التجارة العالمية.
كما يترافق موقف سوليفان الذي قد يقول البعض أنه يعكس محاولة استخفاف دعائية من جانب إدارة بايدن بثقل دول "بريكس" الحقيقي، مع تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية التي رأت أن الولايات المتحدة تسير على الطريق الذي قطعته قبلها "بريطانيا العظمى" وصولًا إلى "لحظة السويس" التي كانت إيذانًا بأفُول شمس القوة الاستعمارية في العام 1956 عندما قرّرت غزو مصر.
تقول "الغارديان" أن العالم يتغيّر، وأن "عصر القوة العظمى المهيمنة" التي تمثّلها الولايات المتحدة، يقترب من نهايته، وأن "القرن الأميركي" ينطوي سريعًا ليصبح تاريخًا.
ولهذا، ولأسباب أخرى عديدة، يبدو تصريح مستشار الأمن القومي الأميركي، خارج سياق منطق التاريخ، ذلك أنه يرتكب خطيئة -سواءً عمدًا أو سهوًا- بتجاهل أن "بريكس" قد لا تكون مجرد فقاعة سياسيّة عابرة، وأنها في الواقع تشكّل "منافسًا جيوسياسيًا محتملًا".
وبرغم أن "بريكس" لم تتحوّل إلى تحالف سياسي أو عسكري، لكن قادتها يقولون في هذه اللحظات في جوهانسبورغ، وأحيانا بالفم الملآن، أن قرار التّخلي عن الدولار كعملة عالمية، لا رجعة فيه، وأن "الدولار" و"اليورو" لم يعودا مصدر ثقة منذ أن تكثّف استخدامهما من أجل معاقبة الدول والتضييق عليها اقتصاديا.
لا يعد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب منظرًا اقتصاديًا فريدًا من نوعه عندما يقول أن الدولار الأميركي يفقد هيمنته إذ يتقلص استخدامه عالميًا، لصالح عملات أخرى، اذا سبقه إلى ذلك خبراء واقتصاديون حول العالم بما في ذلك من داخل الولايات المتّحدة نفسها.
ولهذا، فأن تبدأ "بريكس" خطوات الاعتماد الأولى على عملة موحّدة بديلة لها، أو وضع آلية لتبادل المدفوعات المالية بين دول المجموعة، وتنامي ظاهرة تبادل الدفع بالسلع والعملات الوطنية حتى بين دول من خارج "بريكس"، يعني فيما يعنيه أن تصريح سوليفان، انفصال حقيقي عن الواقع.
يقول الزعيم الصيني شي جين بينغ في قمة جوهانسبورغ أن "تاريخ البشرية لن يتوقف عند حضارة أو نظام محدّد". وأمام الرئيس الصيني بعض الأرقام من بينها: أن هناك أكثر من 20 دولة تقدّمت بطلبات عضوية إلى "بريكس" بينها السعودية وإيران ومصر والجزائر وتركيا والأرجنتين. وتشكل "بريكس" بوضعها الحالي أكثر من 40% من سكان العالم، ولهذا فإن انضمام دول أخرى في المستقبل القريب كما هو متوقّع، سيعني حتمًا انكسار "الأحادية" القائمة حاليا في العالم والتي تمثلها واشنطن. وتشكل "بريكس" نحو 30 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأكثر من 16 % من حجم التجارة العالمية، كما أن الاستثمار في دول "بريكس" زاد بمعدل 6 أضعاف. كما يبلغ الإنفاق العسكري لدول "بريكس" حاليا 400 مليار دولار، ولديها أيضا 11 مليون جندي، بالإضافة إلى نحو 6500 قنبلة نووية وتحديدًا في ترسانة الصين وروسيا والهند.
يقول لنا التاريخ أنه حافلٌ بقصص وتجارب امبراطوريات وممالك كبرى، سارت إلى هاويتها، من خلال سوء قراءتها لمحيطها، ولتجاربها، وللتحديات التي تجري من حولها، وأحيانا كثيرة الاستهانة بخصومها.

